المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٩٧ - ٥- الحكومة و الورود
و مما ينبغي أن يعلم في هذا الصدد: أنه لو احتمل أهمية أحد المتزاحمين فإن الاحتياط يقتضي تقديم محتمل الأهمية، و هذا الحكم العقلي بالاحتياط يجري في كل مورد يدور فيه الأمر بين التعيين و التخيير في الواجبات.
و عليه، فلا يجب إحراز أهمية أحد المتزاحمين، بل يكفي الاحتمال. و هذا أصل ينفع كثيرا في الفروع الفقهية، فاحتفظ به.
٥- الحكومة و الورود:
و هذا البحث من مبتكرات الشيخ الأنصاري (رحمه الله)، و قد فتح به بابا جديدا في الأسلوب الاستدلالي، و لئن نشأ هذا الاصطلاح في عصره من قبل غيره- كما يبدو من التعبير بالحكومة و الورود في جواهر الكلام- فإنه لم يكن بهذا التحديد و السعة اللذين انتهى إليهما الشيخ.
و كان (رحمه الله)- على ما ينقل عنه- يصرح بأن أساطين الفقه المتقدمين لم يغفلوا عن مغزى ما كان يرمي إليه، و إن لم يبحثوه بصريح القول و لا بهذا المصطلح.
و اللفتة الكريمة منه كانت في ملاحظته لنوع من الأدلّة، إذ وجد أن من حقها أن تقدم على أدلة أخرى، في حين إنها ليست بالنسبة إليها من قبيل الخاص و العام، بل قد يكون بينهما العموم من وجه. و لا يوجب هذا التقديم سقوط الأدلّة الأخرى عن الحجية، و لا تجري بينهما قواعد التعارض؛ لأنه لم يكن بينهما تكاذب بحسب لسانهما من ناحية أدائية و لا منافاة، يعني: إن لسان أحدهما لا يكذب الآخر و لا يبطله، بل أحدهما المعين من حقه بحسب لسانه و أدائه لمعناه و عنوانه أن يكون مقدما على الآخر تقديما لا يستلزم بطلان الآخر و لا تكذيبه و لا صرفه عن ظهوره.
و هذا هو العجيب في الأمر و الجديد على الباحثين، و ذلك مثل تقديم أدلة الأمارة على أدلة الأصول العملية بلا إسقاط لحجية الثانية و لا صرف لظهورها.
و المعروف أن أحد اللامعين من تلامذته (١) التقى به في درس الشيخ صاحب الجواهر قبل أن يتعرف عليه و قبل أن يعرف الشيخ بين الناس، و سأله سؤال امتحان و اختبار عن سر تقديم دليل على آخر جاء ذكرهما في الدرس المذكور، فقال له: إنه حاكم عليه. قال: و ما الحكومة؟ فقال له: يحتاج إلى أن تحضر درسي ستة أشهر على الأقل لتفهم معنى الحكومة. و من هنا ابتدأت علاقة التلميذ بأستاذه.
(١) قيل: هو مرزا حبيب الله الرشتي. (المصنف).