المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٥٠ - ١- حجية بناء العقلاء
و إن كان (الثاني): فإما أن يعلم جريان سيرة العقلاء في العمل بها في الأمور الشرعية، كما في الاستصحاب. و إما ألا يعلم ذلك كما في الرجوع إلى أهل الخبرة في إثبات اللغات.
فإن كان (الأول): فنفس عدم ثبوت ردعه كاف في استكشاف موافقته لهم، لأن ذلك مما يعنيه و يهمه، فلو لم يرتضها- و هي بمرأى و مسمع منه- لردعهم عنها، و لبلغهم بالردع، بأي نحو من أنحاء التبليغ، فبمجرد عدم ثبوت الردع منه نعلم بموافقته، ضرورة: إن الردع الواقعي غير الواصل لا يعقل أن يكون ردعا فعليا و حجة.
و بهذا نثبت حجية مثل الاستصحاب ببناء العقلاء، لأنه لما كان مما بنى على العمل به العقلاء بما فيهم المسلمون و قد أجروه في الأمور الشرعية بمرأى و مسمع من الإمام- و المفروض: إنه لم يكن هناك ما يحول دون إظهار الردع و تبليغه من تقية و نحوها- فلا بد أن يكون الشارع قد ارتضاه طريقة في الأمور الشرعية.
و إن كان (الثاني)- أي: لم يعلم ثبوت السيرة في الأمور الشرعية- فإنه لا يكفي حينئذ استكشاف موافقة الشارع عدم ثبوت الردع منه، إذ لعله ردعهم عن إجرائها في الأمور الشرعية فلم يجروها، أو لعلهم لم يجروها في الأمور الشرعية من عند أنفسهم، فلم يكن من وظيفة الشارع أن يردع عنها في غير الأمور الشرعية لو كان لا يرتضيها في الشرعيات. و عليه، فلأجل استكشاف رضا الشارع و موافقته على إجرائها في الشرعيات لا بد من إقامة دليل خاص قطعي على ذلك.
و بعض السير من هذا القبيل قد ثبت عن الشارع إمضاؤه لها، مثل: الرجوع إلى أهل الخبرة عند النزاع في تقدير قيم الأشياء و مقاديرها، نظير القيميات المضمونة بالتلف و نحوه، و تقدير قدر الكفاية في نفقة الأقارب و نحو ذلك. أما ما لم يثبت فيها دليل خاص- كالسيرة في الرجوع إلى أهل الخبرة في اللغات- فلا عبرة بها، و إن حصل الظن منها؛ لأن الظن لا يغني عن الحق شيئا. كما تقدم ذلك هناك.
يتفق معهم الشارع لأنهم لم يعملوا ذلك لميولهم أو بما هم غير عقلاء، و إنما عملوه بما هم عقلاء و هذا معناه: أنه «سبحانه و تعالى» يرضى بذلك السلوك.
السيد الصدر (قدس سره) قال: إننا لا نرضى بهذه الطريقة لأن كون الشارع رئيس العقلاء هذه ميزة موجودة في الشارع، و نحتمل على ضوء هذه الميزة أن الشارع يستطيع أن يدرك ما لا يدركه العقلاء بمعنى: أن العقلاء قد يعملون عملا معينا، و يسلكون سلوكا معينا بما هم عقلاء، و الشارع لا يرضى به.