المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٣٣ - أصل البراءة في لسان العقل و الإجماع (١)
الحكم، أي: لم يرد فيه دليل عقلي أو نقلي على تحريمه.
و هذه الدعوى إنما هي تنفع بعد إبطال أدلة الاحتياطيين عقلا و نقلا (١)، و المسلم بطلانها على ما يأتي.
الناحية الثانية: دعوى إجماع جميع العلماء من المتقدمين و المتأخرين على أن ما يشك فيه من حيث الحرمة و لم يرد على تحريمه دليل، يجوز ارتكابه، و لا يجب الاحتياط فيه.
و بالإمكان تحصيل هذا النحو من الإجماع من:
١- ملاحظة كلمات العلماء في كتبهم من مباحث الفقه و أصوله و فتاواهم من زمن الكليني و المفيد و الصدوقين و السيدين و الشيخ الطوسي و غيرهم من المشايخ، فإن اللائح منها: عدم وجوب الاحتياط في المسألة.
٢- ملاحظة الإجماعات المنقولة و الشهرات المحققة من تتبع كلمات الأصحاب المتضمنة لدعوى اعتقاد الإمامية و أهل مذهبهم، و اتفاق المحصلين و المحققين الباحثين عن مآخذ الشريعة، و إطباق العلماء على أصل البراءة فيما شك في حكمه و لم يرد فيه نص.
٣- ملاحظة سيرة المسلمين، فإنهم بعد الفحص و عدم وجدانهم الدليل على حكم شيء، بانون على عدم وجوب الاجتناب عنه، و بمجرد احتمال ورود النهي عنه من الشرع لا يعتنون به، و هذا إجماع عملي منهم كاشف عن رضا المعصوم (عليه السلام)، و مدل على أن طريقة الشارع تبليغ المحرمات لا المباحات، و ليس ذاك إلّا لعدم الحاجة إلى بيان الرخصة في الفعل و كفاية عدم وجدان النهي فيه (٢).
(١) إلّا أن الشيخ الأنصاري ناقش هذه الناحية بعدم منفعتها في قوله: «و هذا الوجه لا ينفع إلّا بعد تمامية ما ذكر من الدليل العقلي و النقلي للحظر و الاحتياط». و وجه المناقشة فيه هو: أن المحدثين يدعون وجود الدليل العقلي أو النقلي أو كليهما على لزوم التوقف عند الشبهات و الكف عنها، فهذا الإجماع غير محقق، لإناطته بعدم ورود دليل عقلي أو نقلي على التحريم، فلا يصلح للمعارضة.
(٢) و بعبارة أخرى: سيرة أهل الشرائع كافة على البراءة في مثبتية الحكم. و يستفاد هذا الوجه من قول الشيخ الأنصاري (قدس سره) في رسائله: «فإن سيرة المسلمين من أول الشريعة بل في كل شريعة على عدم الالتزام». و هناك وجه آخر في تحصيل هذا الإجماع قولا و عملا هو: سيرة كافة العقلاء على قبح مؤاخذة الجاهل، و يستفاد هذا من قول الشيخ الأنصاري في رسائله: «بل بناء كافة العقلاء و إن لم