المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٣١ - أصل البراءة في لسان العقل و الإجماع (١)
العقلاء بقبح مؤاخذة المولى عبيده على عمل لم يعلمهم حكمه بالحرمة (١).
(١) هذا مبني على أساس مسلك قبح العقاب بلا بيان، و تسمى أيضا بالبراءة العقلية و مفادها: إن المكلف غير ملزم عقلا بالتحفظ تجاه أي تكليف ما لم ينكشف بالقطع و اليقين، و يقابله مسلك حق الطاعة المعبر عنها بأصالة اشتغال الذّمة أو أصالة الاحتياط، و هذا أصل يحكم به العقل، و مفاده: أن كل تكليف يحتمل وجوده و لم يثبت إذن الشارع في ترك التحفظ تجاهه فهو منجز، و تشتغل به ذمة المكلف و مرد ذلك إلى ما تقدم من أن حق الطاعة للمولى يشمل كل ما ينكشف من التكاليف و لو انكشافا ظنيا أو احتماليا، و يقول السيد الصدر (قدس سره): «و هذا الأصل هو المستند العام للفقيه»، و لا يرفع يده عنه إلّا في بعض الحالات التالية:
أولا: إذا حصل له دليل محرز قطعي على نفي التكليف كان القطع معذرا بحكم العقل، فيرفع يده عن أصالة الاشتغال، إذ لا يبقى لها موضوع- لأن موضوع هذا الأصل هو الشك و هنا في هذه الصورة لا يوجد شك فحينئذ يرتفع موضوع هذا الأصل-.
ثانيا: إذا حصل له دليل محرز قطعي على ثبات التكليف فالتنجز يظل على حاله، و لكنه يكون بدرجة أقوى و أشد.
ثالثا: إذا لم يتوفر له القطع بالتكليف لا نفيا و لا إثباتا، و لكن حصل له القطع بترخيص ظاهري من الشارع في ترك التحفظ- مثل الأمارات الظنية من الشهرة و خبر الثقة التي رفعت عني الشك- فحيث أن منجزية الاحتمال و الظن معلقة على عدم ثبوت إذن من هذا القبيل، فمع ثبوته لا منجزية فيرفع يده عن أصالة الاحتياط.
و هذا الإذن تارة: يثبت بجعل الشارع الحجية للأمارة، كما إذا أخبر الثقة المظنون الصدق بعدم الوجوب فقال لنا الشارع: صدق الثقة، و أخرى: يثبت بجعل الشارع لأصل عملي من قبله، كأصالة الحل الشرعية القائلة: «كل شيء حلال حتى تعلم أنه حرام» و البراءة الشرعية القائلة: «رفع ما لا يعلمون».
رابعا: إذا لم يتوفر له القطع بالتكليف لا نفيا و لا إثباتا، و لكن حصل له القطع بأن الشارع لا يأذن في ترك التحفظ، فهذا يعني: أن منجزية الاحتمال و الظن تظل ثابتة غير أنها آكد و أشد مما إذا كان الإذن محتملا.
و هنا أيضا تارة: يثبت عدم الإذن من الشارع في ترك التحفظ، بجعل الشارع الحجية للأمارة، كما إذا أخبر الثقة المظنون الصدق بالوجوب فقال الشارع: لا ينبغي التشكيك فيما يخبر به الثقة أو قال:
صدق الثقة، و أخرى: يثبت بجعل الشارع لأصل عملي من قبله كأصالة الاحتياط الشرعية المجعولة في بعض الحالات.
و اتفق الأخباريون و الأصوليون على إنه لا احتياط في الشبهة الوجوبية و مثاله: أن نشك في وجوب الاستهلال من أجل العلم بدخول رمضان أو لا يجب؟، اتفق الجميع على عدم الوجوب، يبقى ما هو المستند؟ فالأصوليون عرفنا مستندهم. يبقى الأخباريون لا نعرف مستندهم في ذلك فنسألهم: لما ذا أوجب الأخباريون الاحتياط في الشبهة التحريمية دون الوجوبية؟
الجواب: الأصل في الأشياء عند الأخباريين المنع و الحظر حتى يثبت الدليل من الشرع على الإباحة،