المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٣٢ - أصل البراءة في لسان العقل و الإجماع (١)
و من هنا يعلم ورود هذه القاعدة على قاعدة دفع الضرر المحتمل لأنها متفرعة على وجود احتمال الضرر، أي: العقاب، و لا احتمال بعد إدراك العقل و حكم العقلاء لقبح العقاب من دون بيان (١).
و حاصل ما قرره في الاحتجاج بالإجماع على المطلوب من ناحيتين:
الناحية الأولى: دعوى ذهاب كل العلماء من متأخري المتأخرين و فيهم الاحتياطيون و المجتهدون إلى البراءة و الأمن عن العقاب على فعل شيء مجهول
و هذا يعني: أي شيء شككنا في تحريمه يجب أن نرجع إلى الأصل الأولي على رأي الأخباريين و هو المنع و التحريم، و لو على سبيل الاحتياط الوجوبي، هذا بالنسبة إلى الشبهة التحريمية، و أما في الشبهة الوجوبية: لا يندرج الأصل الأولي فيه. و لو أشكلت على الأخباريين بحديث التثليث «فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، و من أخذ بالشبهات وقع في المحرمات» الذي أوجب الاحتياط لأجاب الأخباريون عليك: بأن حديث التثليث الذي أوجب الاحتياط مختص بالمحرمات.
و لا فرق من حيث عدم وجوب الاحتياط هنا بين أن يكون الشك ناشئا عن عدم النص أو إجماله أو معارضته أو اشتباه الموضوع، و على ذلك الأصوليون و الأخباريون، قال النائيني بقول الخراساني: «إن مناط البحث في جميع أسباب الشك واحد ... و لا نزاع بين الأصوليين و الأخباريين إلّا في خصوص الشبهة التحريمية».
(١) موضوع حكم العقل على مسلك قبح العقاب بلا بيان عدم البيان الواصل إلى المكلف، لا عدم البيان الواقعي، لأن البيان الواقعي إذا لم يصل إلى المكلف لا تأثير له في تحريك المكلف نحو الامتثال، فلا مؤاخذة لعدم وصوله إليه، نعم لو كان البيان في الواقع موجودا إلّا أن المكلف قصر و لم يفحص عنه لا يكون المكلف في هذه الصورة معذورا، و لا يجوز إجراء البراءة في هذه الصورة إلّا بعد الفحص التام. فالعقلاء بما هم عقلاء يرون المكلف معذورا في صورة لم يصل إليه التكليف بعد فحصه عنه فحصا تاما.
فإن هذه القاعدة (قاعدة قبح العقاب بلا بيان) متفق عليها عند الأصوليين و الأخباريين، و إنما النزاع في الصغرى، فالأخباري يدعي وجود الدليل على وجوب الاحتياط، كما ذكرناها، و الأصولي ينكر.
و أما ما هو المراد من الضرر الوارد في عبارة المصنف في قوله: «و من هنا يعلم ورود هذه القاعدة على قاعدة دفع الضرر المحتمل ...»؟
المراد بالضرر: الأخروي- أي: العقاب- فالصغرى لهذه القاعدة ممنوعة، أي: لا موضوع لها، إذ موضوعها احتمال الضرر و العقاب، و احتمال العقاب مع عدم قيام دليل على التكليف المجهول منفي، لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، أي: قاعدة قبح العقاب بلا بيان ترفع بموضوع قاعدة دفع الضرر المحتمل، إذ قاعدة قبح العقاب بلا بيان تحتفظ بموضوعها و هو عدم البيان فلا إشكال في جريانه، و أما قاعدة دفع الضرر: هذه القاعدة في نفسها ليست بيانا حتى ترفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان.