المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٣٨ - ٣- و منها في سورة التوبة، الآية ١١٥
فعلا و لا استحقاقا إلّا بعد أن نوصل إليهم بيانا، و نعلم العباد وظيفتهم و نتم عليهم الحجة عقلا و نقلا، فالآية شاملة لبراءة المكلف عن مخالفة التكليف المجهول ما لم يصل إليه.
و ببيان آخر: أن سياق الآية و سبكها- استقراء لنظائرها- هو نفي تبدل سجية اللّه و تغير عادته في القرون الماضية و هذه الأمة المرحومة طرّا بمقتضى الحكمة أن لا يعذب من دون بيان الحجة، فإن ذلك غير لائق بالمولى اللطيف الحقيقي، فهذا التفسير شامل لنفي العذاب الأخروي و استحقاقه و إلّا فثبوت الاستحقاق مع نفي فعلية العذاب خلاف ما هو لائق به سبحانه أن لا يؤاخذ قبل تمامية البيان من العقل و النقل، فدلالة هذه الآية أيضا تامة على المرام.
٣- و منها: في سورة التوبة، الآية ١١٥: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ (١)
.
الآية الكريمة أصرح و أظهر دليل على البراءة في الشبهات و مورد الجهل بالتكليف الإلزامي.
ثم أن الأخباريين استدلوا بهذه الآية الكريمة على عدم الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، بتقريب:
إنّ العقل إذا حكم بلزوم فعل شيء ما أو تركه، و لم يرد بيان من قبل الشارع المقدس على طبق ما حكم به العقل فلا عقاب على مخالفة ما حكم العقل بلزوم فعله أو تركه، و نفي العقاب يدل على نفي التكليف. فإذا حكم العقل بفعل شيء أو تركه ليس على وفقه يحكم الشارع بحكم هذه الآية.
- و على فرض أن الآية الكريمة تدل على البراءة، و كون المراد من الرسول البيان الواصل إلى المكلف فنقول: حكم العقل بيان، و قد وصل إلى المكلف، و لذلك اشتهر: أن العقل رسول باطني، كما أن الرسل و الأنبياء رسل ظاهرية.
(١) و تقريب الاستدلال بهذه الآية الكريمة على البراءة هو: أن المراد بالإضلال في الآية الكريمة: إما تسجيلهم ضالين و منحرفين، و إما نوع من العقاب، كالخذلان و الطرد من أبواب الرحمة. و على أي حال إن اللّه «عزّ و جلّ» لا يخذل العباد إلّا بعد البيان و إتمام الحجّة على العباد، و ذلك بإيصال التكاليف إليهم، ففي مورد الجهل بالتكليف و عدم البيان و الإيصال إليهم لا خذلان و لا ضلال و لا مؤاخذة و لا عقاب في المقام، فتدل الآية الكريمة على البراءة.
إلّا أن الشيخ الأنصاري (قدس سره) يرى أن هذه الآية أجنبية عن البراءة و ذلك لأن ظاهر هذه الآية:
إن الخذلان في الدنيا لم يكن في الأمم السابقة إلّا بعد بيان ما كان يجب أن يتركوه، فارتكبوا و لم يجتنبوا، كالمعاصي التي صدرت عن قوم لوط مثلا، فخذلهم اللّه و أضلهم، فتكون الآية الكريمة أجنبية