المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٧٣ - الدليل الثاني حكم العقل
في كشف موافقة الشارع إحراز إمضائه من دليل آخر، لأن نفس بناء العقلاء هو الدليل و الكاشف عن موافقته كما تقدم، فيكفي في المطلوب عدم ثبوت الردع و لا حاجة إلى دليل آخر على إثبات رضاه و إمضائه.
و عليه: فلم يبق علينا إلّا النظر في الآيات و الأخبار الناهية عن اتباع غير العلم في أنها صالحة للردع في المقام أو غير صالحة، و الحق: إنها غير صالحة؛ لأن المقصود من النهي عن اتباع غير العلم هو النهي عنه لإثبات الواقع به. و ليس المقصود من الاستصحاب إثبات الواقع، فلا يشمل هذا النهي الاستصحاب الذي هو قاعدة كلية يرجع إليها عند الشك، فلا ترتبط بالموضوع الذي نهت عنه الآيات و الأخبار حتى تكون شاملة لمثله، أي: أن الاستصحاب خارج عن الآيات و الأخبار تخصصا.
و أما ما دل على البراءة أو الاحتياط فهو في عرض الدليل على الاستصحاب، فلا يصلح للردع عنه لأن كلا منهما موضوعه الشك، بل أدلة الاستصحاب مقدمة على أدلة هذه الأصول كما سيأتي.
الدليل الثاني: حكم العقل:
و المقصود منه هنا هو: حكم العقل النظري لا العملي، إذ يذعن بالملازمة بين العلم بثبوت الشيء في الزمان السابق و بين رجحان بقائه في الزمان اللاحق عند الشك ببقائه.
أي: أنه إذا علم الإنسان بثبوت شيء في زمان ثم طرأ ما يزلزل العلم ببقائه في الزمان اللاحق فإن العقل يحكم برجحان بقائه و بأنه مظنون البقاء. و إذا حكم العقل برجحان البقاء فلا بد أن يحكم الشرع أيضا برجحان البقاء.
و إلى هذا يرجع ما نقل عن العضدي في تعريف الاستصحاب: (بأن معناه أن الحكم الفلاني قد كان و لم يعلم عدمه و كل ما كان كذلك فهو مظنون البقاء).
أقول: و هذا حكم العقل لا ينهض دليلا على الاستصحاب على ما سنشرحه، و الظاهر: أن القدماء القائلين بحجيته لم يكن عندهم دليل عليه غير هذا الدليل، كما يظهر جليا من تعريف العضدي المتقدم، إذ أخذ فيه نفس حكم العقل هذا، و لعله لأجل هذا أنكره من أنكره من قدماء أصحابنا، إذ لم يتنبهوا إلى أدلته الأخرى على ما يظهر، فإنه أول من تمسك ببناء العقلاء العلامة الحلي في النهاية، و أول من تمسك بالأخبار الشيخ عبد الصمد والد الشيخ البهائي، و تبعه صاحب الذخيرة و شارح