المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٧٢ - الدليل الأول بناء العقلاء
ثبتت عند الشارع فليس ثبوتها عنده إلّا التعبد بها من قبله فتكون حجة على المكلف و له.
نعم احتمال كون السبب في بنائهم و لو أحيانا رجاء تحصيل الواقع أو الاحتياط من قبلهم قد يضر في استكشاف ثبوتها عند الشارع كقاعدة، لأنها لا تكون عندهم كقاعدة لأجل الحالة السابقة، و لكن الرجاء بعيد جدا من قبلهم ما لم يكن هناك عندهم اطمئنان أو ظن أو تعبد بالحالة السابقة لاحتمال أن الواقع غير الحالة السابقة، بل قد يترتب على عدم البقاء أغراض مهمة فالبناء على البقاء خلاف الرجاء. و كذلك الاحتياط قد يقتضي البناء على عدم البقاء. فهذه الاحتمالات ساقطة في كونها سببا لتباني العقلاء و لو أحيانا.
ثانيا: بعد التسليم بأن منشأ بناء العقلاء هو التعبد ببقاء ما كان نقول: إن هذا لا يستكشف منه حكم الشارع إلّا إذا أحرزنا رضاه ببنائهم و ثبت لدينا أنه ماض عنده، و لكن لا دليل على هذا الرضا و الإمضاء، بل أن عمومات الآيات و الأخبار الناهية عن اتباع غير العلم كافية في الردع عن اتباع بناء العقلاء. و كذلك ما دل على البراءة و الاحتياط في الشبهات. بل احتمال عمومها للمورد كاف في تزلزل اليقين بهذه المقدمة، فلا وجه لاتباع هذا البناء، إذ لا بد في اتباعه من قيام الدليل على أنه ممضي من قبل الشارع. و لا دليل (١).
و الجواب: ظاهر من تقريبنا للمقدمة الثانية على النحو الذي بيناه، فإنه لا يجب
(١) و بعبارة أخرى أقول: لا يوجد في المقام دليل على الإمضاء، بل دل الدليل على الردع عنه.
و نطرح في المقام طائفتين من الأدلّة:
الأولى: ما دل بالعموم على ردعه و اعتباره كالآيات و الروايات الناهية عن العمل بغير العلم، كقوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ و هي شاملة في المقام، إذ يوجد ظن ببقاء الحالة المتيقنة السابقة، و من المعلوم: أن كل ما ليس بعلم فهو منهي عن اتباعه.
و الثانية: ما دل من الكتاب و السنة على كون المرجع في الشبهات أصالة البراءة كما ذهب إليه الأصوليون، و أصالة الاحتياط كما ذهب إليه الأخباريون.
فإن إطلاق أدلة البراءة يشمل ما إذا كان الشك مسبوقا بحالة متيقنة، إذا: بناء العقلاء على الأخذ بالحالة السابقة المتيقنة التحقق مردوعا عنها بالطائفتين من الأدلّة، و عليه: لا عبرة به لإثبات حجية الاستصحاب.