المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٤١ - الدليل الثالث
الدليل الثاني-
عموم تعليل آية النبأ: و قيل: أن عموم التعليل في آية النبأ أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ يدل على اعتبار مثل الشهرة؛ لأن الذي يفهم من التعليل: أن الإصابة من الجهالة هي المانع من قبول خبر الفاسق بلا تبين. فيدل على أن كل ما يؤمن معه من الإصابة بجهالة فهو حجة يجب الأخذ به. و الشهرة كذلك.
و الجواب: إن هذا ليس تمسكا بعموم التعليل- على تقدير تسليم أن هذه الفقرة من الآية واردة مورد التعليل- و قد تقدم بيان ذلك في أدلة حجية خبر الواحد- بل هذا الاستدلال تمسك بعموم نقيض التعليل، و لا دلالة في الآية على نقيض التعليل بالضرورة؛ لأن هذه الآية نظير نهي الطبيب عن بعض الطعام لأنه حامض مثلا، فإن هذا التعليل لا يدل على أن كل ما هو ليس بحامض يجوز أو يجب أكله، و كذلك هنا، فإن حرمة العمل بنبإ الفاسق بدون تبين لأنه يستلزم الإصابة بجهالة لا تدل على وجوب الأخذ بكل ما يؤمن فيه ذلك و ما لا يستلزم الإصابة بجهالة. و أما دلالتها على خصوص حجية خبر الواحد العادل: فقد استفدناه من طريق آخر، و هو طريق مفهوم الشرط على ما تقدم شرحه، لا من طريق عموم نقيض التعليل.
و بعبارة أخرى: إن أكثر ما تدل الآية في تعليلها على أن الإصابة بجهالة مانع عن تأثير المقتضي لحجية الخبر، و لا تدل على وجود المقتضي للحجية في كل شيء آخر- حيث لا يوجد فيه المانع؛ حتى تكون دالة على حجية مثل الشهرة المفقود فيها المانع.
نقول: إن فقدان المانع عن الحجية في مثل الشهرة لا يستلزم وجود المقتضى فيها للحجية، و لا تدل الآية على أن كل ما ليس فيه مانع ففيه المقتضى موجود.
الدليل الثالث-
دلالة بعض الأخبار: قيل: أن بعض الأخبار دالة على اعتبار الشهرة، مثل: مرفوعة زرارة، قال زرارة: قلت: جعلت فداك! يأتي عنكم الخبران و الحديثان المتعارضان، فبأيهما نعمل؟ قال (عليه السلام): «خذ بما اشتهر بين أصحابك، و دع الشاذ النادر».
قلت: يا سيدي: هما معا مشهوران مأثوران عنكم.
قال: «خذ بما يقوله أعدلهما ...» إلى آخر الخبر.
و الاستدلال بهذه المرفوعة من وجهين: الأول: إن المراد من الموصول في قوله: (بما اشتهر) مطلق المشهور بما هو مشهور، لا خصوص الخبر، فيعم المشهور بالفتوى، لأن الموصول من الأسماء المبهمة التي