المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٣١ - و قد يستدل على ذلك بما يلي
بل هذه الأخبار لا تقلّ من هذه الجهة عن ظواهر الكتاب، بل الأمر فيها أعظم لأن سندها يحتاج إلى تصحيح و تنقيح و فحص، و لأن جملة منها منقول بالمعنى، و ما ينقل بالمعنى لا يحرز فيه نص ألفاظ المعصوم، و تعبيره و لا مراداته، و لا يحرز في أكثرها أن النقل كان لنص الألفاظ.
***
حجة لهم فقط، و أما بالنسبة إلينا لا تكون حجة و هذا من الناحية العلمية يساوق قول الأخباريين.
- على كل حال: إن قدمت الروايات الدالة على حجية ظواهر الكتاب على الروايات التي استدل بها على نفي الحجية فهو، و إن تكافأ الفريقان فعلى الأقل يلتزم بالتساقط، و يقال بالحجية حينئذ لأنه عند التعارض و التساقط يبقى الأصل الثابت و هو حجية ظواهر الكتاب؛ لأن الردع غير ثابت فتثبت الحجية بالسيرة العقلائية بصورة مستقلة. فهذه السيرة في الحقيقة لا تثبت لنا إلّا حجية الظواهر في زمن نزول القرآن الكريم؛ لأن السيرة العقلائية التي استدللنا بها ليست السيرة العقلائية الموجودة فعلا، و إنما السيرة المعاصرة للمعصومين.
فهنا قد يقال: أننا صحيح نتمسك بالسيرة الغير مردوع عنها في مقام إثبات حجية ظواهر الكتاب، لكن بالنسبة إلى المقصودين بالإفهام لا بالنسبة لنا، و من هنا احتجنا إلى هذه الضميمة و هي استصحاب مفاد السيرة بالنسبة لنا فنقول: إن السيرة مفادها هو حجية ظواهر الكتاب سابقا، الآن نشك أن السيرة هل تدل على ذلك أو لا؟ نستصحب الدلالة أي: بقاء المفاد (السيرة) إلى الآن.
فبهذه الضميمة و هي استصحاب مفاد السيرة تثبت حجية الظواهر بالنسبة لنا.
الدليل الثالث: يمكن أن نتمسك بهذا الدليل على عدم حجية ظواهر الكتاب و هو: دعوى إنكار وجود ظهور في القرآن الكريم، و إنما القرآن الكريم كله متشابه و مجمل، إما لأن الله «عزّ و جلّ» تعمد ذلك لربط الناس بالحجة (بالمعصوم)، و إما لأن طبع القضية يقتضي أن يكون القرآن مبهما و غامضا، و ليس فيه ظاهر لأن علو المطالب التي ذكرت في القرآن الكريم يستدعي هذا الإجمال، و هذا المتشابه الموجود في الكتاب و المطالب و المعاني المذكورة في القرآن الكريم عالية المستوى جدا، و بيانها لا يصل إلى مرحلة الظهور بل دائما يكون مبهما و مجملا، و على هذا الأساس يدعى أن القرآن الكريم كله مجمل، و سبب هذا الإجمال كما قلنا إما للتعمد أو لطبيعة المطالب.
و عليه: فلا ظواهر في القرآن الكريم فحينئذ: لا معنى للقول بحجية ظواهر الكتاب.
و الجواب على ذلك أن نقول: إن هذا على خلاف الغرض الأساسي من إنزال القرآن الكريم. أما بالنسبة إلى أن الله «عزّ و جلّ» تعمد في ذلك «أي: الإجمال» لربط الناس بالحجة هذا لا يتحقق إلّا بعد فهم مضامين الكتاب؛ التي تدل على الأصول العقائدية من قبيل التوحيد و النبوة و الإمامة. و لا بد أن يفهمها الناس حتى يمكن ربطهم بالحجة، فإن الاعتقاد بالإمامة فرع الاعتقاد بالتوحيد كلها أمور مترتبة أحدهما يترتب على الآخر، فلا معنى أن يفرض على الإنسان أن يربط بالحجة مباشرة من دون أن يكون مؤمنا بالتوحيد و يكون مؤمنا بالنبوة. و من الواضح: أن الإيمان بنبوة محمّد (صلى الله عليه و آله) على الأقل