المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٨٧ - بقي التكلم في أمرين
و المصلحة و المفسدة؛ لعدم إمكان التحريك و الانبعاث للمكلف من قبل العقل أو الشرع نحو واحد من المحذورين، و بالنتيجة لا مسرح هنا للتخيير لا شرعا و لا عقلا، لأنه مع وصف الاضطرار و العجز عن الإدانة تكوينا تحصيل للحاصل.
هذا إن أريد من التخيير: التخيير في المسألة الأصولية، أي: في مقام الفتوى بالأخذ بدليل أحد الحكمين لأجل عمل المقلدين؛ نظير الفتوى بالأخذ بمفاد واحد من الخبرين المتعارضين، و كذا إن أريد به التخيير في المسألة الفرعية، أي: في مقام العمل، لعدم الدليل على أيّ من هذين المعنيين، بل الدليل على عدمه و هو ما ذكرناه من كون المكلف هنا مضطرا خارجا لمتابعة قرار العقل بالتخيير الناشئ من استحالة الجمع بين النقيضين، و كون المورد خاليا من مناط البعث و الطلب إلى المكلف هو الاختيار و الاقتدار على المخالفة القطعية.
و بنفس البيان ينفي جريان البراءة العقلية و البراءة و الإباحة الشرعيتين، لأن الأول موضوعه اللابيان في مورد له صلاحية ورود البيان المؤثر لتجويز العقاب في المقام يقطع بعدمه فيقطع بعدم العقاب، و الأخيران موردهما إمكان جعل التحريم للمكلف في مورد يكون التكليف الواقعي فيه مجهولا، و في المقام فرض العلم إجمالا بوجود الإلزام و إذا لم يمكن الوضع لم يمكن الرفع.
هذا مضافا: إلى أن الإباحة الشرعية مصبها هي الشبهات الموضوعية، و الشبهة فيما دار أمرها بين المحذورين شبهة حكمية.
و هكذا الاستصحاب فإنه حجة لأجل ترتيب الأثر العملي المصحح الكلي للتعبد بالاستصحاب، و لا أثر عملي في البين على أنه أصل تنزيلي، و الأصول التنزيلية لا تجري في أطراف العلم الإجمالي و لو لم يلزم من الجريان مخالفة عملية.
و بعبارة أخرى: يلزم من إجراء الاستصحابين في البين مناقضة في دليل الاستصحاب لوجود العلم الإجمالي بالإلزام، و يلزم منه: نقض لزوم الالتزام و التدين بحكم اللّه الواقعي في الواقعة و هو إما الوجوب أو الحرمة.
بقي التكلم في أمرين:
١- تقديم جانب الحرمة بأدلة أهمها: أن دفع المفسدة و هي الحرمة أولى من كسب المنفعة، و ادّعى اهتمام الشارع و العقلاء بهذه القاعدة و ذهابهم إلى أتميتها.
و يرد عليها: أنها قاصرة كبرى و صغرى؛ أما الكبرى: فالمنافع و المفاسد متفاوتة