المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٠ - ٧- حجية العلم ذاتية
و هذا هو السر في تعليل الشيخ الأنصاري (رحمه الله) لوجوب متابعته بكونه طريقا بذاته و لم يتعرّض في التعليل لنفس الوجوب (١). و من أجل هذا ركز البحث كله على طريقيته الذاتية (٢).
(١) لأن وجوب متابعة القطع أمر ذاتي لا يحتاج إلى تعليل.
(٢) قال الشيخ الأنصاري (قدس سره) لا إشكال في وجوب متابعة القطع و العمل عليه ما دام موجودا، لأنه بنفسه طريق إلى الواقع، و ليس طريقيته قابلة لجعل الشارع إثباتا أو نفيا».
يذكر أن للقطع ثلاث جهات يمكن ملاحظتها في نفس القاطع:
الجهة الأولى: كشفه عن الواقع بحيث لا يرى القاطع إلّا الواقع، إلى درجة إنه لا يلتفت إلى قطعه كانعكاس صورة زيد في المرآة كيف أن زيد لا يلتفت إلى وجود المرآة أثناء رؤيته نفسه في المرآة كذلك القاطع فإنه لا يلتفت إلى قطعه عند رؤيته للواقع. و هذا الكشف الجزمي التام لا يكون بجعل من الشارع، و أن حجيته ذاتية، أي: أن حجيته منبعثة من نفس طبيعة ذاته.
الجهة الثانية: حكم العقل بوجوب متابعة القطع، و حكم العقل بحسن المؤاخذة على مخالفته، و قبح المؤاخذة على موافقته، لأنه بعد انكشاف الواقع تمام الانكشاف لا يرى العقل القاطع معذورا في مخالفته له لتمامية الحجة عليه، و هذا الانكشاف التام هو الموجب لتنجزه على القاطع.
الجهة الثالثة: و بعد تحقق الجهتين لا شك في ترتب الآثار الطبيعية و الفطرية لدفع الضرر عنه، و هذا الأثر هو الانبعاث و التحرك نحو العمل المقطوع به أو انزجاره عنه. و يشهد بهذا الوجدان و الضرورة على أن القطع بالوجوب أو الحرمة مثلا يحرك القاطع نحو الفعل أو الترك، بحيث يرى القاطع نفسه مذموما في صورة المخالفة، و مأمونا من الذم و العقاب في صورة الموافقة من غير فرق في ذلك بين أقسام القطع و أسبابه.
قد تسأل: متى يمكن للمولى الترخيص بالمخالفة؟ هل يمكن الترخيص بالمخالفة في صورة القطع و الظن أو فقط في صورة القطع، أو فقط في صورة الاحتمال و الظن؟
و للإجابة على هذا السؤال نقول: يمكن صدور الترخيص بالمخالفة في صورة الاحتمال و الظن، و لا يمكنه في صورة القطع بها، و لأجل التوضيح نقول: لا محذور في ترخيص الشارع في صورة الاحتمال و الظن، فلو كان لدينا سائل نحتمل أنه خمر فلا محذور في ترخيص الشارع في تناوله و الحكم عليه بالحلية لقاعدة «كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام»، و هنا لا نعلم أنه الخمر المحرم شربه. غاية ما في الأمر: نحتمل أنه خمر فتنطبق القاعدة عليه لتوفر موضوعها فيكون حلالا. إلّا أن ابن قبة أثار إشكاله المعروف حيث ذكر أن السائل لو كان في علمه «سبحانه و تعالى» خمرا واقعا و رخص الشارع في تناوله للقاعدة المذكورة أعلاه لزم اجتماع الحرمة و الإباحة و هو مستحيل.
الجواب على هذا المحذور: هو أن الإباحة الواردة طبقا للترخيص المولوي ظاهرية، فلا محذور في اجتماع الحكم الظاهري مع الحرمة الواقعية، و قد ذكرنا النكتة في ذلك في الجواب الثاني للسيد الصدر على شبهة ابن قبة فراجع.