المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٤٢ - د- دليل حجية خبر الواحد من بناء العقلاء (١)
العملية على اختلاف مشاربهم و أذواقهم، على الأخذ بخبر من يثقون بقوله و يطمئنون إلى صدقه و يأمنون كذبه، و على اعتمادهم في تبليغ مقاصدهم على الثقات. و هذه السيرة العملية جارية حتى في الأوامر الصادرة من ملوكهم و حكامهم و ذوي الأمر منهم.
في روايات صادرة عن الأئمة (عليهم السلام) منقولة إلينا في ضمن مجموع ما بأيدينا من الأخبار المروية عنهم (عليهم السلام)، و هذا ما يسمى بالعلم الإجمالي الصغير. و حينئذ فنقول: إنا نعلم إجمالا- بمقتضى الإجمالي الصغير- بصدور كثير من الأخبار التي بأيدينا عن الأئمة (عليهم السلام) بمقدار واف بمعظم الفقه بحيث لو علمنا تفصيلا بذلك المقدار الوافي لجاز لنا إجراء الأصول النافية في الشبهات الحكمية فيما عداه، لعدم لزوم محذور من جريانها حينئذ من الخروج عن الدين أو المخالفة القطعية في جملة من الأحكام، لكن حيث لا نعلم تفصيلا بذلك المقدار الوافي و إنما نعلم به إجمالا وجب بحكم العقل العمل بكل خبر مظنون الصدور، لأن تحصيل الواقع الذي يجب العمل به- إذا لم يمكن على وجه العلم- تعين المصير إلى الظن في تعيينه و العمل به بسبب العمل بالأخبار المظنونة الصدور، و لا يجب مراعاة أطراف العلم الإجمالي الكبير.
و السر في ذلك هو انحلال العلم الإجمالي الكبير، ذلك لأنه إذا تضيقت أطراف علمنا الإجمالي بثبوت التكاليف الشرعية المنتشرة بين جميع الأمارات على كثرتها، و انحصرت أطرافه في خصوص ما بأيدينا من الروايات التي علمنا إجمالا بصدور كثير منها لانحصرت التكاليف و الأحكام الشرعية في هذه الأطراف، و لخرجت بقية الأمارات عن أطراف العلم الإجمالي، و كان الشك في ثبوت التكليف بالنسبة إليها بدويا، مثلا: إذا فرضنا أن المعلوم لنا بالعلم الإجمالي الكبير مائة حكم إلزامي، و علمنا إجمالا- بالعلم الإجمالي الصغير- بصدور مائة رواية مما بأيدينا من الروايات متضمنة لتلك المائة من الحكم الإلزامي انحل العلم الإجمالي الكبير، كما أنه لو فرضنا أنا علمنا تفصيلا بتلك المائة من الروايات انحل كلا العلمين الإجماليين الكبير و الصغير معا، و مقتضى الفرض الأول- أعني: انحلال العلم الإجمالي الكبير فقط- لزوم الأخذ بالروايات طرا، لكونها من أطراف العلم الإجمالي الصغير، و جواز إجراء الأصل النافي للتكليف في موارد سائر الأمارات مما هي من أطراف العلم الإجمالي الكبير، لكون الشك في التكليف بالنسبة إليها بدويا كما عرفت.
و نظير المقام: ما إذا علمنا إجمالا بأن في قطيع غنم مشتمل على سود و بيض مثلا عشرين غنما مغصوبا، ثم قامت بينة على مغصوبية عشرين غنما في خصوص السود، فإنه ينحل- بهذه البينة- العلم الإجمالي الكبير الذي كانت أطرافه مجموع السود و البيض، فلا يجب الاجتناب إلّا عن خصوص السود، لجريان قاعدة الحل في البيض، لصيرورة الشك فيها بدويا كما هو واضح.
فالمتحصل: أن العلم الإجمالي الصغير يوجب انحلال العلم الإجمالي الكبير، و العمل بجميع الأخبار المثبتة و جواز العمل بالنافية ما لم يكن هناك أصل مثبت للتكليف، فمقتضى هذا الوجه الأول العقلي اعتبار الأخبار فقط دون سائر الأمارات كما لا يخفى، من غير فرق في وجوب العمل بين مظنون