المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٧٦ - «تنبيه» الاستحسان و المصالح المرسلة و سد الذرائع
و الخلاصة: إنا نقول ببطلان قياس الأولوية إذا كان الأخذ به لمجرد الأولوية، أما إذا كان مفهوما من التخاطب بالفحوى من جهة الأولوية فهو حجة من باب الظواهر، فلا يكون قياسا مستثنى من القياس الباطل.
«تنبيه»: الاستحسان و المصالح المرسلة و سد الذرائع:
بقي من الأدلّة المعتبرة عند جملة من علماء السنة: (الاستحسان)، و (المصالح المرسلة) و (سد الذرائع) (١).
الاستحسان و المصالح المرسلة و سد الذرائع: (١) س: ما المراد من الاستحسان؟
المراد من الاستحسان: هو الأخذ بما وافق الذوق.
و قيل: هو ما يستحسنه المجتهد بعقله.
و قيل: هو دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه، «و مثل هذا النوع من الاستحسان لا يمكن عده من مصادر التشريع لكونه عرضة لتحكم الأهواء فيه بسبب عدم ذكر الضوابط له، حتى في أنفس المستحسنين، كما هو الفرض، على إنه لا دليل عليه اللهم إلّا أن يدعي بعض أصحابه حصول القطع منه أحيانا، و ربما كانت وجهة نظر القائلين «بالذوق الفقهي» تلتقي مع هذا النوع من الاستحسان، إلّا أن حجيته مقصورة على مدعي القطع به من الفقهاء و مقلديهم خاصة، و هي ليست من القواعد المحددة ليمكن أن تكون أصلا قائما برأسه كسائر الأصول، و ما ذكر له من الأدلّة لا يصلح لإثبات ذلك فلا بد من استعراضها، و مناقشتها و لو بعضها.
حجيته: و قد استدلوا على حجية الاستحسان بعدة أدلة، بعضها من الكتاب، و بعضها الآخر من السنة.
أدلتهم من الكتاب و أهمها: ١- قوله تعالى: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ. الزمر: ١٨.
٢- قوله تعالى: وَ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ. الزمر: ٥٥.
بتقريب أنه تعالى مدحهم على اتباع أحسن ما يستمعونه من القول في الآية الأولى، و ألزمهم باتباع أحسن ما أنزل إليهم من ربهم في الآية الثانية، و المدح و الإلزام أمارة جعل الحجية له.
و يرد على هذا الاستدلال بهاتين الآيتين و نظائرهما:
بأن هذه الآيات استعملت لفظة (الأحسن) في مفهومه اللغوي، و هو أجنبي عما ذكروه لها من المعاني الاصطلاحية، و لو سلم فعلى أيها ينزل ليصلح للدليلية عليه، مع أنها متباينة و ليس بينها قدر جامع، بل لا يمكن تصوره إلّا بضرب من التعسف كما سبقت الإشارة إليه، و حمله على بعضها دون بعض مصادرة واضحة.