المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٧٨ - «تنبيه» الاستحسان و المصالح المرسلة و سد الذرائع
على أنه قد أوضحنا فيما سبق في الدليل العقلي: إن الأحكام و ملاكاتها لا يستقل العقل بإدراكها ابتداء، أي: ليس من الممكن للعقول أن تنالها ابتداء من دون السماع من مبلغ الأحكام إلّا بالملازمة العقلية. و شأنها في ذلك شأن جميع المجعولات كاللغات و الإشارات و العلامات و نحوها، فإنه لا معنى للقول بأنها تعلم من طريق عقلي مجرد، سواء كان من طريق بديهي أو نظري.
بينما يذهب الأستاذ معروف الدواليبي إلى إدخالها ضمن ما شهد له أصل كلي من الشريعة يقول:- و هو يتحدث عن الاستصلاح-: «الاستصلاح في حقيقته هو نوع من الحكم بالرأي المبني على المصلحة، و ذلك في كل مسألة لم يرد في الشريعة نص عليها، و لم يكن لها في الشريعة أمثال تقاس بها، و إنما بني الحكم فيها على ما في الشريعة من قواعد عامة برهنت على أن كل مسألة خرجت عن المصلحة ليست من الشريعة بشيء، و تلك القواعد هي مثل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ، و قوله (عليه السلام): «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام».
س: ما المراد من سد الذرائع؟ الذريعة لغة و اصطلاحا: الذريعة لها مدلولان: لغوي و اصطلاحي، فهي في اللغة: الوسيلة التي يتوصل بها إلى الشيء. و في الاصطلاح: وقعت موضعا لاختلافهم في مقام التحديد، فالشاطبي يحددها ب «التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة».
و يرد على هذين التعريفين إنهما غير جامعين لاقتصارهما على وسائل الأمور المحرمة، بينما تعم الذريعة- كدليل- جميع الوسائل سواء كانت وسائل لمحرمات أو واجبات أم غيرهما من الأحكام، يقول القرافي: «الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، و تكره و تندب و تباح».
و قريب منه قول سلام: «الذرائع إذا كانت تفضي إلى مقصد هو قربة و خير، أخذت الوسيلة حكم المقصد، و إذا كانت تفضي إلى مقصد ممنوع هو مفسدة، أخذت حكمه، و لذا فإن الإمام مالكا يرى أنه يجب فتح الذرائع في الحالة الأولى لأن المصلحة مطلوبة، و سدها في الحالة الثانية لأن المفاسد ممنوعة».
و لعل أقرب تعاريفها إلى السلامة ما ذكره ابن القيم من أن «الذريعة ما كان وسيلة و طريقا إلى الشيء» و هو مأخوذ من مفهومها اللغوي، إلّا أن تعميم الشيء فيه يجعله غير مانع من الغير لدخول جميع الوسائل المفضية إلى غير أحكام الشريعة، و هو ما لا يتصل بحثه بوظيفة الأصولي. فالأنسب تعريفها ب: «الوسيلة المفضية إلى الأحكام الخمسة» ليشمل بحثها كل ما يتصل بالذريعة و أحكامها من أبحاث، سواء أفضت إلى مصالح أو مفاسد أم غيرها، على أن الذي ركز عليه الباحثون من أقسامها هو الذريعة المفضية إلى مفسدة و خصوها بأكثر أحاديثهم.
أقسام الذريعة: و قد قسمها ابن القيم إلى أقسام أربعة:
١- الوسائل الموضوعة للإفضاء إلى المفسدة، و مثل لها: بشرب المسكر المفضي إلى مفسدة السكر، و الزنا المفضي إلى اختلاط المياه و فساد الفراش، و ليس لهذه الأفعال ظواهر غير الإفضاء إلى المفسدة.