المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٠٨ - أ- أدلة حجية خبر الواحد من الكتاب العزيز
.....
و داخل في الدّلالة المنطوقيّة، و عادة المدلول المنطوقي أقوى من المدلول المفهوميّ. فإذا قدّمنا عموم التعليل على المفهوم فلا بدّ أن نلتزم بعدم حجيّة خبر العادل و الفاسق. هذه المناقشة يمكن الجواب عليها أولا: و ذلك بأن نفسر الجهالة بالجهل الذي هو عدم العلم مع السفاهة أيضا، و على هذا يرتفع الإشكال لأنّ العمل بخبر العادل ليس فيه سفاهة؛ لأن سيرة العقلاء قائمة على العمل بخبر العادل.
و العمل به لا يعتبر سفاهة عقلائيّا. فالسفاهة تعني العمل الغير عقلائي. فإذا: المنطوق لا يكون حينئذ لخبر العادل. فالمنطوق يقول: إذا جاءك فاسق بنبإ فتبيّن لئلّا تصيبوا قوما بعمل غير عقلائي. و هذه العلّة من البداية تختص بخبر الفاسق. فإذا: المفهوم الدّال على حجيّة خبر العادل لا يعارضه شيء. لأن التعليل ليس علّة مشتركة على هذا التفسير بين العمل بخبر العادل، و خبر الفاسق بل هي مختصّة بالعمل بخبر الفاسق؛ لأنّ العمل بخبره هو الذي يكون عملا سفيها غير عقلائي.
و الجواب الثاني: هو أنّه حتّى لو سلمنا بأن عموم التعليل يعارض المفهوم و هو أن المفهوم يقتضي حجيّة خبر العادل، و عموم التعليل يقتضي عدم حجيّة خبر العادل يمكن أن نجمع بينهما بأن نلتزم بأن عموم التعليل مخصّص بالمفهوم، فالنتيجة بعد التخصيص تكون: أنّ خبر العادل حجة باعتبار المخصص و هو المفهوم.
و الجواب الثالث: هو أن يقال: إن التعليل من البداية لا يشمل خبر العادل؛ لأن المفهوم يدل على حجيّة خبر العادل و جواز العمل به يعني: أصبح معلوما بجعل الحجيّة له أمرا واضحا و بيّنا. و بهذا الاعتبار سوف يخرج عن عموم التعليل لأن عموم التعليل يشمل الأمور الغير واضحة و الغير معلومة، بناء على أن المراد بالجهالة الجهل. يعني: لو تنزلنا مع الإشكال الأول، و لم نقل أن المراد السّفاهة إضافة إلى الجهل فعموم التعليل يشمل كل خبر غير علمي، يعني: إن كل خبر ليس معلوما و ليس واضحا هو ليس حجة. هذا الذي يقوله عموم التعليل.
الآن عند ما نقول: بأن المفهوم عند ما يأتي و يقول: إن خبر العادل حجة يعني: أن خبر العادل لا بدّ أن نتعامل معه كما نتعامل مع الخبر العلميّ، و هذا معنى حجية خبر العادل، فالحجيّة الشرعية الممنوحة لخبر العادل تعني أنه يجب أن تتعامل مع خبر العادل معاملتك مع الخبر العلمي أي: أن خبر العادل بالجعل ينزل منزلة الخبر العلمي. و بذلك يصبح معلوما و بينا. و إذا أصبح واضحا و معلوما فيخرج عن عموم التعليل، لأن عموم التعليل يختص بالخبر الغير معلوم. و هذا قد أصبح معلوما من جعل الحجيّة له من قبل الشارع المستفادة من المفهوم. فإذا: عدم شمول التعليل لخبر العادل يكون ببيانين:
البيان الأول: و هو أنه نقول: إن المراد بالجهالة السفاهة و هو الجواب الأوّل، و العمل بخبر العادل ليس سفاهة فيخرج عن عموم التعليل.
البيان الثاني: هو أن نقول: إن المراد بالجهالة هو الجهل، و عموم التعليل بحسب طبعه ليشمل حتّى خبر العادل لأنّه عمل بغير علم؛ لكن نقول إن المفهوم عند ما يعطيه الحجيّة يخرجه عن عموم التعليل لأنّه يصبح واضحا و معلوما [١].
[١] راجع الحلقة الثانية، ص ١٨٨- ١٩٠. و تقريري لدروس فضيلة الأستاذ الشيخ هادي آل راضي مع التصرف.