المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٦١ - ٧- فعلية الشك و اليقين
و إنما يعتبر هذا الشرط في قبال من يتوهم جريان الاستصحاب في مورد الشك التقديري، مثاله- كما ذكره بعضهم-: ما لو تيقن المكلف بالحدث ثم غفل عن حاله و صلى، ثم بعد الفراغ من الصلاة شك في أنه هل تطهر قبل الدخول في الصلاة ... فإن مقتضى قاعدة الفراغ: صحة صلاته لحدوث الشك بعد الفراغ من العمل و عدم وجود الشك قبله، و لا نقول بجريان استصحاب الحدث إلى حين الصلاة لعدم فعلية الشك إلّا بعد الصلاة. و أما الاستصحاب الجاري بعد الصلاة:
فهو محكوم لقاعدة الفراغ، أما لو قلنا بجريان الاستصحاب مع الشك التقديري و كان يقدر فيه الشك في الحدث لو أنه التفت قبل الصلاة ... فإن المصلي حينئذ يكون بمنزلة من دخل في الصلاة و هو غير متطهر يقينا، فلا تصح صلاته و إن كان غافلا حين الصلاة، و لا تصححها قاعدة الفراغ لأنها لا تكون حاكمة على الاستصحاب الجاري قبل الدخول في الصلاة (١).
الفراغ لأنها إنما تجري في صلاة لم يثبت الحكم ببطلانها حين إيقاعها. و أما إذا كان المكلف على يقين من الحدث، ثم غفل و ذهل عن حاله، و قام و صلى ذاهلا، و بعد الصلاة التفت و شك في إنه هل كان لا يزال محدثا حين صلى أو لا؟ فقد يقال: بأن استصحاب الحدث لم يكن جاريا حين الصلاة، لأن الشك لم يكن فعليا، بل تقديريا، فالصلاة لم تقترن بقاعدة شرعية تحكم ببطلانها، فبإمكان المكلف حينئذ أن يرجع عند التفاته بعد الفراغ من الصلاة إلى قاعدة الفراغ فيحكم بصحة الصلاة.
فإن قيل: هب إن الاستصحاب لم يكن جاريا حين الصلاة، و لكن لما ذا لا يجري الآن- بعد الفراغ من الصلاة- مع أن الشك فعلي، و باستصحاب الحدث فعلا يثبت أن صلاته التي فرغ منها باطلة.
قلنا: إن هذا الاستصحاب ظرف جريانه هو نفس ظرف جريان قاعدة الفراغ، و كلما اتحد ظرف جريان الاستصحاب و القاعدة تقدمت- قاعدة الفراغ- لما ذا هذا التقديم؟ لتقديم الخاص على العام.
لأن قاعدة الاستصحاب تجري بعد الصلاة، و أثناء الصلاة، و قبل الصلاة. بينما قاعدة الفراغ تجري فقط بعد الفراغ من الصلاة و لذلك قدمت. خلافا لما إذا كان ظرف جريان الاستصحاب أثناء الصلاة، فإنه حينئذ لا يدع مجالا لرجوع المكلف بعد الفراغ من صلاته إلى قاعدة الفراغ، لأن موضوعها صلاة لم يحكم ببطلانها في ظرف الإتيان بها. و لكن الصحيح أن قاعدة الفراغ لا تجري بالنسبة إلى الصلاة المفروضة في هذا المثال على أي حال حتى لو لم يجر استصحاب الحدث في أثنائها، و ذلك لأن قاعدة الفراغ لا تجري عند إحراز وقوع الفعل المشكوك الصحة مع الغفلة، ففي المثال المذكور لا يمكن تصحيح الصلاة بحال» [١].
(١) «إن من تيقن بالحدث أول الزوال مثلا و غفل و صلى و شك بعد الصلاة في أنه تطهر- بعد القطع
[١] راجع: الحلقة الثانية، ص ٤٠٧- ٤٠٨.