المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٠٦ - ٦- القاعدة في المتعارضين التساقط أو التخيير (٢)
و تشمل القاعدة بحسب ذلك: صورة تعادل المتعارضين في السند، و صورة ما إذا كانت لأحدهما مزية تقتضي ترجيحه في السند، لأنه في الصورة الثانية بتقديم ذي المزية يلزم طرح الآخر مع فرض إمكان الجمع.
و الظهور التصديقي هو: ظهور الكلام في أن المتكلم استعمله في معناه الحقيقي. و تقدم أيضا: أن القرينة إذا كانت متصلة فهي لا تهدم الظهور التصوري و إنما تهدم الظهور التصديقي، فكلمة يرمي مثلا في جملة رأيت أسدا يرمي لا تمنع خطور الحيوان المفترس في كلمة الأسد و إنما تمنع الظهور التصديقي؛ أي: الظهور في أن المتكلم قد استعمل كلمة الأسد في الحيوان المفترس، فلا يبقى ظهور في أن المتكلم قد استعمل كلمة الأسد في الحيوان المفترس.
و أما إذا كانت القرينة منفصلة: فهي لا تمنع من أصل انعقاد الظهور التصديقي المذكور و إنما تمنع حجيته، فإذا قال المتكلم: رأيت أسدا ثم ذكر في كلام ثان كلمة يرمي فالكلام الأول يبقى ظاهرا في أن المتكلم قد استعمل كلمة الأسد في الحيوان المفترس. غاية الأمر: لا يبني العرف على حجيته بسبب قرينة الكلام الثاني. و رفع اليد على حجية ظهور الكلام الأول لأجل القرينة المنفصلة هو عبارة عن الجمع العرفي.
٤- عرفنا أن إعداد الكلام الثاني لتفسير الكلام الأول تارة: يكون إعدادا شخصيا يقوم به شخص المتكلم، و أخرى: يكون إعدادا نوعيا عرفيا لا يختص بشخص المتكلم.
و السؤال المطروح هنا: كيف نعرف أن المتكلم أعد الكلام الثاني كمفسر للكلام الأول؟ و كيف نعرف أن العرف أعد الكلام الثاني كمفسر للكلام الأول؟
أما فيما يخص السؤال الأول فجوابه: أن الطريق لمعرفة الإعداد الشخصي هو الظهور، فمتى ما كان الكلام الثاني للمتكلم ظاهرا في أنه قد أعده مفسرا للأول أخذ بذلك الظهور، و حكم بإعداد الكلام الثاني مفسرا للأول. و مثال ذلك: ما لو قال المتكلم في كلامه الثاني: إني أقصد من كلامي الأول كذا.
و أما فيما يخص السؤال الثاني فجوابه: إن الطريق لمعرفة استقرار بناء العرف الأول على عد الكلام الثاني مفسرا هو وصل الكلام الثاني بالكلام الأول، فإذا ارتفع التعارض بينهما و لم يبق ظهور الكلام الأول عد العرف الكلام الثاني في صورة انفصاله قرينة مفسرة للكلام الأول- إذ من لوازم القرينة أنها تزيل ظهور الكلام في صورة اتصالها به- و كان الحجة عندهم الكلام الثاني دون الكلام الأول، حيث أن الكلام الثاني قرينة و الكلام الأول ذو القرينة، و العرف يثبت الحجية للقرينة دون ذي القرينة. فمثلا:
لو قال المتكلم: أكرم العلماء و بعد مدة ذكر كلاما منفصلا قال فيه: لا تكرم العلماء الفساق، فإن هذا الكلام الثاني لو وصل بالأول و قيل هكذا: أكرم العلماء و لا تكرم العلماء الفساق لم ير بين الكلامين معارضة بسبب ارتفاع ظهور الكلام الأول في الاستعمال في العموم، و هذا بخلاف ما لو قيل: صل ثم قيل منفصلا: لا تصل، فإن الكلام الثاني لو وصل بالكلام الأول لم يرتفع التعارض بينهما و كان ظهور الكلام الأول في وجوب الصلاة باقيا.