المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٠٤ - ٦- القاعدة في المتعارضين التساقط أو التخيير (٢)
في دلالتهما فيما هما متعارضان فيه، فيبقيان في دلالتهما الأخرى على ما هما عليه من الحجية، إذ لا مانع من شمول أدلة الحجية لهما معا في ذلك. و قد سبق أن قلنا:
إن الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية في أصل الوجود لا في الحجية، فلا مانع من أن يكون الدليل حجة في دلالته الالتزامية مع وجود المانع عن حجيته في الدلالة المطابقية، هذا فيما إذا كانت إحدى الدلالتين تابعة للأخرى في الوجود، فكيف الحال في الدلالتين اللتين لا تبعية بينهما في الوجود؟ فإن الحكم فيه بعدم سقوط حجية إحداهما بسقوط الأخرى أولى.
٧- الجمع بين المتعارضين أولى من الطرح (١): اشتهر بينهم: أن الجمع بين المتعارضين مهما أمكن أولى من الطرح، و قد نقل عن «غوالي اللآلئ» دعوى الإجماع على هذه القاعدة.
الجمع بين المتعارضين أولى من الطرح: (١) كثيرا ما تدور على ألسن علماء الأصوليين هذه الجملة: «مهما أمكن الجمع فهو أولى من الطرح».
يبقى ما ذا تعني هذه العبارة؟ معناها- كما يبدو- إذا وصلك نصان متعارضان بظاهرهما فالجمع بينهما أولى من طرحهما ما أمكن ... قد يقال: أن الأخذ بهذا المعنى بعمومه عبارة عن سد باب التعارض و التعادل و التراجيح، و لم تدع الحاجة إلى الأخذ بالأخبار المتواترة و المتظافرة على الترجيح بين الخبرين المتعارضين مع وجود المرجح، و التخيير مع عدمه ما دام العلاج هو الجمع، و يؤكد على هذا المعنى: ما قاله الشيخ الأنصاري في رسائله: «مضافا إلى: إن علماء الإسلام من زمان الصحابة إلى يومنا هذا لم يزالوا يستعملون المرجحات في الأخبار المتعارضة في ظواهرها، و يختارون أحدها، و يطرحون الآخر بلا جمع و تأويل».
إلّا أن الصحيح أن هذه القاعدة صحيحة، و منسجمة مع القواعد الأساسية، و خالية من كل إشكال و شبهة، شريطة أن لا نعلم إجمالا بكذب أحد الخبرين لكي لا نقع في المخالفة القطعية للواقع، و أن نفسر الإمكان بالإمكان الوقوعي العرفي، و نفسر الجمع بالجمع القائم على أساس فهم العرف لا بالجمع التبرعي الاعتباطي، فتكون القاعدة حينئذ: إنه إذا وصلك دليلان من الكتاب أو السنة و بدا لك بالنظرة الأولى أن بينهما تعارض عليك أولا أن تتمهل و تتأمل: هل إن أحدهما مخصص أو مقيد للآخر، أو هو حاكم و مفسر للثاني، أو وارد عليه و رافع لموضوعه؟ ... إلى غير ذلك من القواعد المقررة. فإن لم يكن من ذلك شيء حينئذ نتوجه إلى الخطوة الثانية و هي: الرجوع إلى عملية التعارض، و معالجته بالترجيح مع وجود المرجح، و بالتخيير مع عدمه.
و هذا الكلام لا غبار عليه، و لا حاجة إلى كثير من الجدال إذ أن العام و الخاص، و المطلق و المقيد، و الظاهر و الأظهر .. من مباحث علم الأصول.