المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢١٠
المتصلة و المنفصلة؛ لأن القرينة مطلقا تهدم هذا الظهور، بخلاف الظهور التصديقي الأول فإنه لا تهدمه القرينة المنفصلة.
أقول: و نحن لا نتعقل هذا التقسيم، بل الظهور قسم واحد، و ليس هو إلّا دلالة اللفظ على مراد المتكلم. و هذه الدلالة هي التي نسميها الدلالة التصديقية، و هي أن يلزم من العلم بصدور اللفظ من المتكلم العلم بمراده من اللفظ، أو يلزم منه الظن بمراده. و الأول يسمى (النص)، و يختص الثاني باسم (الظهور).
و لا معنى للقول بأن اللفظ ظاهر ظهورا تصوريا في معناه الموضوع له، و قد سبق في الجزء الأول، ص ٧١، بيان حقيقة الدلالة، و إن ما يسمونه بالدلالة التصورية ليست بدلالة، و إنما كان ذلك منهم تسامحا في التعبير بل هي من باب تداعي المعاني، فلا علم و لا ظن فيها بمراد المتكلم، فلا دلالة فلا ظهور، و إنما كان خطور.
و الفرق بعيد بينهما (١).
(١) أي: بين الدلالة و الخطور. و الفرق بينهما هو: أن الظهور التصوري هو ما يكون الكلام موجبا لإخطاره في ذهن السامع، و كل معنى يخطر و ينسبق الذهن إليه يقال: أن ذلك اللفظ الذي أوجب هذا الانسباق يكون ظاهرا في ذلك المعنى الذي انسبق إليه الذهن فيقال له: ظهور تصوري و وضعي لأن الانسباق كما قلناه في الجزء الأول في الشرح- معلول للوضع فالوضع هو الذي يوجب هذا الانسباق. و مثاله: انسباق الذهن إلى معنى الحيوان المفترس عند سماع لفظ الأسد معلول للوضع أي:
لوضع لفظ الأسد لمعنى الحيوان المفترس. و يسمى انسباق الذهن إلى المعنى عند إسماع اللفظ بالخطور.
بينما الدلالة التصديقية و الظهور التصديقي هو: أن يكون الكلام كاشفا عن المراد الجدي من الكلام، أي: يكشف أن المتكلم يريد المعنى جدا و حقيقة، و هذا يسمى بالدلالة و بالظهور التصديقي.
و في هذا البحث نريد أن نعرف ما هو موضوع الحجية؟
هل هو الظهور التصوري أو الظهور التصديقي؟
لا إشكال أن موضوع الحجية هو الظهور التصديقي. لأننا في مقام إثبات حجية الظهور يهمنا أن نصل إلى مراد المتكلم الجدي حتى نصل إلى الحكم الشرعي المنشود، فعند ما نقول: هذه الرواية ظاهرة في الوجوب نريد أن نثبت أن الوجوب مراد جدي للمتكلم، و بهذا يصح نسبة الوجوب للشارع فيحكم العقل بلزوم امتثاله، و حرمة مخالفته، إذا: غرضنا من البحث في أن الظهور حجة أو لا ليس هو إثبات أن الكلام يوجب انسباق الوجوب إلى الذهن، هذا وحده ليس كافيا ما لم نثبت أن الشارع يريد الوجوب جدا، و متى ما أثبتنا أن الوجوب مراد للشارع حينئذ نستطيع أن نسند الوجوب للشارع إسنادا حقيقيا و بلا تجوز. و كما لا يخفى: أن الأصل ما بين الدلالة التصورية و التصديقية هو التطابق ما بينهما مع عدم وجود قرينة متصلة أو منفصلة، بمعنى: أن الأصل هو التطابق أي: أن ما يكون الكلام