المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٠٢ - ٦- القاعدة في المتعارضين التساقط أو التخيير (٢)
وفاق، أما في تعادل المتعارضين فقد وقع الخلاف في أن القاعدة هي التساقط (١) أو التخيير؟
و الحق: أن القاعدة الأولية هي التساقط و عليه أساتذتنا المحققون، و إن دل الدليل من الأخبار على التخيير كما سيأتي، و نحن نتكلم في القاعدة بناء على المختار من أن الأمارات مجعولة على نحو الطريقية، و لا حاجة للبحث عنها بناء على السببية، فنقول:
إن الدليل الذي يوهم لزوم التخيير هو: إن التعارض لا يقع بين الدليلين إلّا إذا كان كل منهما واجدا لشرائط الحجية، كما تقدم في شروط التعارض، (ص ٢٨٤)، و التعارض أكثر ما يوجب سقوط أحدهما غير المعين عن الحجية الفعلية لمكان التكاذب بينهما، فيبقى الثاني غير المعين على ما هو عليه من الحجية الفعلية واقعا، و لما لم يمكن تعيينه (٢)- و المفروض أن الحجة الفعلية منجزة للتكليف يجب العمل بها (٣)- فلا بد من التخيير بينهما.
و الجواب: إن التخيير المقصود إما أن يراد به التخيير من جهة الحجية أو من جهة الواقع، فإن كان الأول: فلا معنى لوجوب التخيير بين المتعارضين، لأن دليل الحجية الشامل لكل منهما في حد أنفسهما إنما مفاده حجية أفراده على نحو التعيين لا حجية هذا أو ذاك من أفراده لا على التعيين، حتى يصح أن يفرض أن أحدهما غير المعين حجة يجب الأخذ به فعلا، فيجب التخيير في تطبيق دليل الحجية على ما يشاء منهما.
و بعبارة أخرى: أن دليل الحجية الشامل لكل منهما في حد نفسه إنما يدل على وجود المقتضى للحجية في كل منهما لو لا المانع، لا فعلية الحجية، و لما كان التعارض يقتضي تكاذبهما فلا محالة يسقط أحدهما غير المعين عن الفعلية، أي: يكون لكل منهما مانعا عن فعلية حجية الآخر. و إذا كان الأمر كذلك فكل منهما لم تتم فيه مقومات الحجية الفعلية ليكون منجزا للواقع يجب العمل به، فلا يكون أحدهما غير
(١) أي: سقوط كلا من الدليلين عن الحجية.
(٢) أي: تعيين ما هو باقي على الحجية.
(٣) أي: بالحجية.