المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٧٦ - النسخ اصطلاحا
نسخ الكتاب العزيز
حقيقة النسخ (١):
النسخ اصطلاحا:
رفع ما هو ثابت في الشريعة من الأحكام و نحوها (٢).
و المراد من (الثبوت في الشريعة): الثبوت الواقعي الحقيقي، في مقابل الثبوت
حقيقة النسخ: (١) للنسخ في اللغة عدة معان، منها: النقل يقال: نسخ فلان الكتاب إذا نقله و كتبه كلمة بعد كلمة.
و منها: الإزالة مثل: نسخت الشمس الظل أي: أزالته، و هذا المعنى هو المراد في الشرع، و هو جائز عقلا و عرفا، و واقع في الشريعة الإلهية. و كما لا يخفى أنه يوجد فرق بين نسخ الشارع للحكم و بين انكشاف ما كان مجهولا. و الثاني ممتنع الوقوع لأنه يكشف عن جهل صاحبه تعالى الله علوا كبير، و ذلك لعدم اتصاف الله «عزّ و جل» بصفة الجهل.
و النسخ في القرآن الكريم دائما صوري لا واقعي، فالحكم المنسوخ دائم في ظاهره محدود بأمد في واقعه، و لأن الحكمة استدعت إظهاره بمظهر الدوام تماما كما لو رأى الطبيب أن مصلحة المريض الامتناع عن أكل اللحم أسبوعا، و أيضا رأى من المصلحة أن لا يعلمه بتحديد الوقت، فنهاه عن اللحم بلا قيد، و بعد الأسبوع أذن له بأكل اللحم [١].
بل قد يكون النسخ بأصل إنشائه. و من هنا قد يتوهم بأنه مع عدم المقتضي لتعلق الإرادة الجدية باستمرار الحكم أو بأصل إنشائه، إذا: فما فائدة أمر النبي (صلى الله عليه و آله) بإظهار دوام الحكم لو كان النسخ بعد حضور وقت العمل، أو إظهار أصل إنشائه لو كان النسخ قبل حضور وقت العمل، و دفعا لهذا التوهم نقول: بأن المقتضي لإظهار إنشاء الحكم أو دوامه موجود، فيكون أمر النبي (صلى الله عليه و آله) بإظهار أصل إنشاء الحكم، أو دوامه مع الحكمة و الفائدة المقتضية له. فربما يلهم الله «عزّ و جل» نبيه (صلى الله عليه و آله) أو يوحي إليه أن يظهر أصل تشريع الحكم أو استمراره، مع اطلاعه على أنه ينسخ في المستقبل أو عدم اطلاعه على ذلك لعدم إحاطته بتمام ما جرى في علمه «تبارك و تعالى»، و من هذا القبيل لعله يكون أمر إبراهيم بذبح إسماعيل (عليه السلام) على حد تعبير صاحب الكفاية (قدس سره).
(٢) قوله: في حقيقة النسخ هو رفع أمر ثابت في الشريعة المقدسة بارتفاع أمده و زمانه. يظهر من هذا التعريف: إن ارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه كارتفاع وجوب الصلاة بخروج وقتها و وجوب الصوم بانتهاء شهر رمضان و هكذا ليس من النسخ في شيء، و الوجه في ذلك- كما عن السيد الخوئي في محاضراته- هو إنه قد ذكرنا أن للحكم المجعول في الشريعة المقدسة مرتبتين:
الأولى: مرتبة الجعل و هي مرتبة ثبوت الحكم في عالم التشريع و الإنشاء، و قد ذكرنا في غير مورد أن الحكم في هذه المرتبة مجعول على نحو القضايا الحقيقية التي لا تتوقف على وجود موضوعها في
[١] راجع أصول الفقه في ثوبه الجديد- راجع أيضا: الكفاية- مبحث النسخ- راجع أيضا: محاضرات في أصول الفقه، ج ٥، ص ٣٢٨.