المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٧٨ - النسخ اصطلاحا
و من هنا يظهر الفرق الحقيقي بين النسخ و بين التخصيص و التقييد. و سيأتي مزيد إيضاح لهذه الناحية في جواب الاعتراضات على النسخ.
و قولنا: (من الأحكام و نحوها): فلبيان تعميم النسخ للأحكام التكليفية و الوضعية، و لكل أمر بيد الشارع رفعه و وضعه بالجعل التشريعي بما هو شارع.
و عليه: فلا يشمل النسخ الاصطلاحي المجعولات التكوينية التي بيده رفعها و وضعها بما هو خالق الكائنات.
و بهذا التعبير يشمل النسخ نسخ تلاوة القرآن الكريم على القول به، باعتبار أن القرآن من المجعولات الشرعية التي ينشئها الشارع بما هو شارع، و إن كان لنا كلام في دعوى نسخ التلاوة من القرآن ليس هذا موضع تفصيله، و لكن بالاختصار نقول:
إن نسخ التلاوة في الحقيقة يرجع إلى القول بالتحريف لعدم ثبوت نسخ التلاوة بالدليل القطعي، سواء كان نسخا لأصل التلاوة أو نسخا لها و لما تضمنته من حكم معا، و إن كان في القرآن الكريم ما يشعر بوقوع نسخ التلاوة كقوله تعالى: وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ و قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها؛ و لكن ليستا صريحتين بوقوع ذلك، و لا
و الجواب عنها: أن الأحكام المجعولة في الشريعة المقدسة من قبل الحكيم تعالى على نوعين:
أحدهما: ما لا يراد منه البعث أو الزجر الحقيقيين كالأحكام الصادرة لغرض الامتحان أو ما شاكله.
و من الواضح: إنه لا مانع من إثبات هذا النوع من الأحكام أولا ثم رفعه، حيث أن كلا من الإثبات و الرفع في وقته قد نشأ عن مصلحة و حكمة، فلا يلزم من رفعه خلاف الحكمة، لفرض أن حكمته- و هي الامتحان- قد حصلت في الخارج و مع حصولها فلا يعقل بقاؤه، و لا كشف الخلاف المستحيل في حقه تعالى حيث لا واقع له غير هذا.
و ثانيهما: ما يراد منه البعث أو الزجر الحقيقي يعني: أن الحكم المجعول حكما حقيقيا و مع ذلك لا مانع من نسخه بعد زمان، و المراد من النسخ كما عرفت: هو انتهاء الحكم بانتهاء أمده يعني: أن المصلحة المقتضية لجعله تنتهي في ذلك الزمان فلا مصلحة له بعد ذلك.
و عليه: فبطبيعة الحال يكون الحكم المجعول على طبقها بحسب مقام الثبوت مقيدا بذلك الزمان الخاص؛ المعلوم عند الله تعالى المجهول عند الناس، و يكون ارتفاعه بعد انتهاء ذلك الزمان لانتهاء أمده الذي قيد به في الواقع و حلول أجله الواقعي الذي أنيط به، و ليس المراد منه رفع الحكم الثابت في الواقع و نفس الأمر حتى يكون مستحيلا على الحكيم تعالى العالم بالواقعيات.
فالنتيجة: أن النسخ بالمعنى المذكور أمر ممكن جزما و لا يلزم منه شيء من المحذورين المتقدمين.