المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٨ - ٧- حجية العلم ذاتية
النهاية، و لا ينقطع التسلسل إلّا بالانتهاء إلى ما هو حجة بذاته و ليس هو إلّا (العلم).
ثالثا: فانتهى الأمر بالأخير إلى (العلم). فتمّ المطلوب.
و بعبارة أسدّ و أخصر، نقول:
إن الظن لما كانت حجيته ليست ذاتية، فلا تكون إلّا بالعرض، و كل ما بالعرض لا بدّ أن ينتهي إلى ما هو بالذات، و لا مجاز بلا حقيقة.
و ما هو حجة بالذات ليس إلّا (العلم). فانتهى الأمر بالأخير إلى (العلم).
و هذا ما أردنا إثباته، و هو أن قوام الأمارة و المناط في إثبات حجيتها هو (العلم)، فإنه تنتهي إليه حجية كل حجة؛ لأن حجيّته ذاتية.
٧- حجية العلم ذاتية:
كررنا في هذا البحث السابق القول: بأن «حجية العلم ذاتية» و وعدنا ببيانها، و قد حل هنا الوفاء بالوعد؛ فنقول:
قد ظهر مما سبق معنى كون الشيء حجيته ذاتية، فإن معناه: أن حجيته منبعثة من نفس طبيعة ذاته، فليست مستفادة من الغير و لا تحتاج إلى جعل من الشارع و لا إلى صدور أمر منه باتّباعه، بل العقل هو الذي يكون حاكما بوجوب اتّباع ذلك الشيء.
و ما هذا شأنه ليس هو إلّا العلم.
و لقد أحسن الشيخ العظيم الأنصاري (قدس سره) مجلي هذه الأبحاث في تعليل وجوب متابعة القطع (١)، فإنّه بعد أن ذكر إنه «لا إشكال في وجوب متابعة القطع و العمل عليه ما دام موجودا» علل ذلك بقوله: «لأنه بنفسه طريق إلى الواقع و ليست طريقته قابلة لجعل الشارع إثباتا أو نفيا».
و هذا الكلام فيه شيء من الغموض بعد أن اختلفت تعبيرات الأصوليين من بعده، فنقول لبيانه:
إن هنا شيئين أو تعبيرين:
(أحدهما): وجوب متابعة القطع و الأخذ به.
(١) مما يجب التنبيه عليه: أن المراد من العلم هنا هو «القطع»، أي: الجزم الذي لا يحتمل الخلاف، و لا يعتبر فيه أن يكون مطابقا للواقع في نفسه، و إن كان في نظر القاطع لا يراه إلّا مطابقا للواقع، فالقطع الذي هو حجة تجب متابعته أعم من اليقين و الجهل المركب. يعني: أن المبحوث عنه هو العلم من جهة أنه جزم لا يحتمل الخلاف عند القاطع. (المصنّف).