المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٥١ - ٣- الحديث المشهور بحديث الرفع المأثور
و الرفع الظاهري يقصد نفي وجوب الاحتياط على الجاهل الشاك، و أنه مأمون تجاه وضع الحكم المجهول (كليا أو جزئيا وضعا ظاهريا عليه) بإيجاب الاحتياط في حقه قبال الحكم المجهول.
و بعبارة وافية مختصرة: الرفع متعلق بالمجهول كما أن العلم متعلق به، فكأن لسان الحديث هو: أن الحكم المجعول حيث تحقق مرتفع إلى أن يعلم.
المدرج الثالث: إن مركز الاستدلال في الحديث و هو: «ما لا يعلمون» شامل للشبهتين الحكمية و الموضوعية معا، و ما قد يدعى من عدم تأتي ذلك لأن في الشبهة الحكمية المرفوع هو الحكم و في الموضوعية هو الموضوع، و إسناد الرفع إلى الحكم إسناد إلى ما هو له (حقيقي) و إلى غيره إسناد إلى غيره (مجازي)، و لا يمكن الجمع بينهما لتعاندهما؛ مردود بأن إسناده إلى الحكم أيضا إسناد إلى غير ما هو له (مجازي)، و إنما هو رفع ظاهري بعناية نفي لزوم الاحتياط، كما عرفت.
و بالجملة: المراد برفع الحكم و الموضوع المجهولين: رفع حكمهما ظاهرا، أي: أنه لو اشتبه حكم شرب التتن أو إذا اشتبه الخل بالخمر، فالحديث يدل على عدم توجه الخطاب الواقعي؛ بحيث يشمل صورة الجهل كي يكون الاحتياط واجبا في الشبهتين.
و فرض جامع معقول بينهما: بأن يراد بلفظة الموصول (ما) الحكم المشكوك كليا (الشبهة الحكمية) و جزئيا (الشبهة الموضوعية) يصحح الإسناد (١)، و المصحح للذهاب إلى التعميم هو إطلاق الموصول و به يحصل الوصول إلى ما هو المأمول (٢).
و اختيار هذه المدارج و المناهج المعقولة المفضلة لها ثمرات مهمة منها: الهرب و الخلاص من الإشكالات الصعبة المضطربة الواردة على هذا الحديث صفحنا عنها اقتصادا.
(١) و بعبارة أخرى: يراد باسم الموصول التكليف المجعول و هو مشكوك في الشبهة الحكمية و الموضوعية معا، و إنما يختلفان في منشأ الشك، فإن المنشأ في الأولى: عدم العلم بالجعل (بأن لا يدري أن الخمر حرام أم لا؟)، و في الثانية: عدم العلم بالموضوع (بأن أعلم بأن الخمر حرام و لكن لا أدري هذا المانع خلا أم خمرا؟).
(٢) و بعبارة أخرى: أن يراد من اسم الموصول الإطلاق، و ذلك لأنه «سبحانه و تعالى» لم يقيد بأحدهما. و حينئذ تتم دلالة حديث الرفع على البراءة، و نفي وجوب التحفظ و الاحتياط.