المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٥٠ - ٣- الحديث المشهور بحديث الرفع المأثور
بطيّ مدارج ثلاثة:
المدرج الأول: إن الرفع الوارد مسند إلى وجود الأمور التسعة و أنفسها و لكن في ظرف التشريع، أي: أن أكل لحم الحمير المجهول حكما أو موضوعا وجوده التشريعي و القانوني مرفوع، فليس على آكله حدّ و ليس متصفا بالفسق لأنه لم يفعل حراما.
و بعبارة أخرى واضحة: ظهور حال الشارع في أن إنشاء الرفع صادر منه بما هو مولى ذو اللطف و التفضل يقتضي- بالعناية هذه- أن يكون كل واحد من الأشياء التسعة مرفوعا عن جميع الأمة حقيقة بوجودها التشريعية لا التكوينية، فإنها بهذا الوجود ثابتة حسا غير قابلة للرفع و بالوجود التشريعي كانت ثابتة إما في الأمم السالفة أو لهذه الأمة بداية الأمر، و لذا كان النبي (صلى الله عليه و آله) في ضمن النص مخبرا عن إنشاء الشارع المقدس «عزّ شأنه».
فإسناد الرفع إلى ذوات الأمور المذكورة بلحاظ الأخبار عن عالم التقنين حقيقي لا عنائي و مجازي بتقدير المعاقبة و المؤاخذة، فإن الأصل عدم التقدير.
و الملخص: أن المراد برفع الأمور المذكورة: عدم توجيه الخطاب الوارد في الأدلة الأولية على نحو يشمل مورد الاضطرار و الإكراه و الخطأ و الجهل و ما إلى ذلك، إن كان هناك خطاب إلزامي.
المدرج الثاني: إن الرفع بالإضافة إلى: «ما لا يعلمون»، ظاهري لا واقعي، بحيث إن كان الحكم ثابتا لأزيل عن صفحة الوجود و نفي عن دائرة التكليف بهذا الحديث، لأنه يستلزم أخذ العلم بالحكم قيدا لنفس الحكم (١)، و معنى ذلك:
اختصاص التكليف بالعالم به و هو تصويب مستحيل (٢)، و مناف مع وجود الإجماع على اشتراك العالم و الجاهل في الأحكام لو لم يكن لأدلتها إطلاق و ظهور في شمولها لهما؛ و إلّا فينافي الرفع الواقعي للحكم المشكوك إطلاق الأدلة أيضا.
(١) و هذا الاحتمال ساقط لأنه يؤدي إلى تقيد الأحكام الواقعية الإلزامية بالعلم بها. و هذا مستحيل للزوم الدور، و ذلك لأن ثبوت الحكم المجعول متوقف على وجود قيوده، و من ضمن قيوده العلم بالحكم، و العلم بالحكم متوقف على الحكم توقف كل علم على معلومه، فيلزم توقف كل شيء على نفسه، هذا أولا. و ثانيا: ثبوت الأحكام بين العالم و الجاهل الثابت بالإجماع.
(٢) مبدأ التصويب يقول: إن مدار وجود الأحكام بالعلم به، أي: كل من علم به فهو مطابق للواقع و إلّا فلا.