المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٧ - تمهيد
بسم اللّه الرحمن الرحيم
تمهيد:
إن مقصودنا من هذا البحث، و هو (مباحث الحجّة)، تنقيح ما يصلح أن يكون دليلا و حجّة على الأحكام الشرعية، لنتوصل إلى الواقع من أحكام الله تعالى.
فإن أصبنا بالدليل ذلك الواقع كما أردنا، فذلك هو الغاية القصوى، و إن أخطأناه، فنحن نكون معذورين غير معاقبين في مخالفة الواقع.
و السرّ في كوننا معذورين عند الخطأ: هو لأجل أنّنا قد بذلنا جهدنا و قصارى وسعنا في البحث عن الطرق الموصلة إلى الواقع من أحكام الله تعالى، حتى ثبت لدينا- على سبيل القطع- أنّ هذا الدليل المعيّن، كخبر الواحد مثلا، قد ارتضاه الشارع لنا طريقا إلى أحكامه و جعله حجّة عليها. فالخطأ الذي نقع فيه إنّما جاء من الدليل الذي نصبه و ارتضاه لنا، لا من قبلنا.
و سيأتي بيان كيف نكون معذورين، و كيف يصح وقوع الخطأ في الدليل المنصوب حجّة، مع أنّ الشارع هو الذي نصبه و جعله حجّة.
و لا شكّ في أنّ هذا المقصد هو غاية الغايات من مباحث علم أصول الفقه، و هو العمدة فيها، لأنه الذي يحصل كبريات مسائل المقصدين السابقين (الأوّل و الثاني)، فإنه لما كان يبحث في المقصد الأول عن تشخيص صغريات الظواهر اللفظيّة (١) فإنّه في هذا المقصد، يبحث عن حجّية مطلق الظواهر اللفظيّة بنحو العموم، فتتألّف الصغرى من نتيجة المقصد الأوّل، و الكبرى من نتيجة هذا المقصد، ليستنتج من ذلك الحكم الشرعي، فيقال مثلا:
(١) إن بعض مشايخنا الأعاظم (قدس سره) التزم في المسألة الأصولية أنها يجب أن تقع كبرى في القياس الذي يستنبط منه الحكم الشرعي، و جعل ذلك مناطا في كون المسألة أصولية، و وجه المسائل الأصولية على هذا النحو. و هو في الحقيقة لزوم ما لا يلزم و قد أوضحنا الحقيقة هنا و فيما سبق.
(المصنّف).