المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٢٨ - ب- دليل حجية خبر الواحد من السنة
يقطع جازما بتواتر الأخبار في هذا المعنى، بل هي بالفعل متواترة لا ينبغي أن يعتري
الدنيا و حرامها، و إهلاك من يتعصبون عليه و إن كان لإصلاح أمره مستحقا، و الترفرف بالبر و الإحسان على من تعصبوا له و إن كان للإذلال و الإهانة مستحقا. فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء، فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم.
فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، و ذلك لا يكون إلّا بعض فقهاء الشيعة، لا جميعهم.
فأما من ركب من القبائح و الفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلا تقبلوا منهم عنّا شيئا، و لا كرامة.
و إنما كثر التخليط فيما يتحمل عنا أهل البيت لذلك، لأن الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه بأسره لجهلهم، و يضعون الأشياء على غير وجوهها لقلة معرفتهم، و آخرون يتعمدون الكذب علينا ليجروا من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنم.
و منهم قوم نصاب لا يقدرون على القدح فينا، فيتعلمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجهون عند شيعتنا و ينتقصون بنا عند أعدائنا، ثم يضيفون إليه أضعافه و أضعاف أضعافه من الأكاذيب علينا التي نحن براء منها، فيقبله المستسلمون من شيعتنا على أنه من علومنا، فضلوا و أضلوا. أولئك أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين (عليه السلام)». (الاحتجاج، ص ٤٥٧).
و كل من صدر الكلام و ذيله يدل على: أن المناط في قبول الخبر هي الوثاقة. قال الشيخ الأنصاري (قدس سره): دل هذا الخبر الشريف اللائح منه آثار الصدق على جواز قبول قول من عرف بالتحرز عن الكذب و إن كان ظاهره اعتبار العدالة بل ما فوقها؛ و لكن الشيخ الأنصاري استدرك قائلا: لكن المستفاد من مجموعه: أن المناط في التصديق هو التحرز من الكذب.
و مثل ما عن أبي الحسن (عليه السلام)، فيما كتبه جوابا عن السؤال عمن نعتمد عليه في الدين، قال:
«اعتمدا في دينكما على كل مسن في حبنا كثير القدم في (التشيع) أمرنا». (بحار الأنوار، ج ٢، ص ٨٢).
و قوله (عليه السلام)، في رواية أخرى: «لا تأخذن معالم دينك من غير شيعتنا، فإنك إن تعديتهم أخذت دينك من الخائنين الذين خانوا الله و رسوله و خانوا أماناتهم. إنهم ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه و بدلوه». (بحار الأنوار، ج ٢، ص ٨٢).
قال الشيخ الأنصاري (قدس سره): و ظاهرها و إن كان الفتوى، إلّا أن الإنصاف شمولها للرواية بعد التأمل، كما تقدم في سابقتها. فإن التعليل بأنهم ثقة، و معالم الدين ليس مختص بالفتوى، فإن الرواية أيضا من معالم الدين.
- و مثل ما في كتاب الغيبة، بسنده الصحيح إلى عبد الله الكوفي خادم الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح، حيث سأله أصحابه عن كتب الشلمغاني. فقال الشيخ: «أقول فيها ما قاله العسكري (عليه السلام)، في كتب بني فضال، حيث قالوا له: ما نصنع بكتبهم و بيوتنا منها ملاء؟ قال: خذوا ما رووا، و ذروا ما رأوا». (بحار الأنوار، ج ٢، ص ٢٥٢). فإنها صريحة في الأخذ حتى من الفاسق و المنحرف إذا كان ثقة.