المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٢٣ - و قد يستدل على ذلك بما يلي
٢- لا يقصدون- أيضا- بالعمل بالمحكم من آياته: جواز التسرع بالعمل به من دون فحص كامل عن كل ما يصلح لصرفه عن الظهور في الكتاب و السنة من نحو الناسخ و المخصص و المقيد و قرينة المجاز.
فقال له أبو جعفر (عليه السلام): «فإن كنت تفسره بعلم فأنت و أنا أسألك»، قال قتادة: سل، قال:
«أخبرني عن قول الله «عزّ و جلّ» في سبأ: وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ»، فقال قتادة: ذلك من خرج من بيته بزاد حلال و راحلة و كراء حلال يريد هذا البيت كان آمنا حتى يرجع إلى أهله، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «نشدتك الله يا قتادة هل تعلم أنه قد يخرج الرجل من بيته بزاد حلال و راحلة و كراء حلال يريد هذا البيت فيقطع عليه الطريق فتذهب نفقته و يضرب مع ذلك ضربة فيها اجتياحه»؟ قال قتادة: اللهم نعم، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «ويحك يا قتادة إن كنت إنما فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت و أهلكت و إن كنت قد أخذته من الرجال فقد هلكت و أهلكت، ويحك يا قتادة ذلك من خرج من بيته بزاد و راحلة و كراء حلال يروم هذا البيت عارفا بحقنا يهوانا قلبه، كما قال الله «عزّ و جل ٩»: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، و لم يعن البيت، فيقول: إليه، فنحن و الله دعوة إبراهيم (عليه السلام) التي من هوانا قلبه قبلت حجته، و إلّا فلا، يا قتادة: فإذا كان كذلك كان آمنا من عذاب جهنم يوم القيامة»، قال قتادة: لا جرم و الله لا فسرتها إلّا هكذا، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «ويحك يا قتادة إنما يعرف القرآن من خوطب به» [١].
و هاتان الروايتان تدلان على اختصاص فهم القرآن بالأئمة الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين)، فليس للقرآن الكريم ظهور بالنسبة إلى غيرهم (عليهم السلام) حتى يجوز العمل به حتى لو سلم حجية الظواهر.
و أما بدعوى أن القرآن الكريم يحتوي على مضامين شامخة، و مطالب غامضة عالية لا يكاد تصل إليها أيدي أفكار أولي الأنظار غير الراسخين العالمين بتأويله على حد تعبير صاحب الكفاية (قدس سره)، و يدل على هذا المضمون ما رواه العياشي في تفسيره عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «ليس شيء أبعد من عقول الرجال عن القرآن» [٢].
و وردت هذه العبارة في رواية جابر [٣]، و لأجل علو مضامين القرآن الكريم لا يبلغ أحد كنه معانيه إلّا النبي (صلى الله عليه و آله)، و أوصياؤه (صلوات الله عليهم أجمعين). و قد ورد عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الراسخون في العلم أمير المؤمنين (عليه السلام)، و الأئمة من ولده (عليهم السلام) [٤]. و هذه الطائفة القائلة بأن القرآن الكريم مبهم و غامض يرد عليها:
أولا: أن رواياتها جميعا ضعيفة السند، بل قد يحصل الاطمئنان بكذبها نتيجة لضعف رواتها، و كونهم في الغالب من ذوي الاتجاهات الباطنية المنحرفة الذين يؤمنون بأن القرآن الكريم ليس له ظاهر
[١] الكافي، الروضة، ص ٣١١، ح ٤٨٥.
[٢] الوسائل، ج ١٨، الباب ١٣ من أبواب صفات القاضي، ص ١٤٩، ح: ٦٩.
[٣] الوسائل، ج ١٨، الباب ١٣ من أبواب صفات القاضي ص ١٥٠، ح: ٧٤.
[٤] الوسائل، ج ١٨، الباب ١٣ من أبواب صفات القاضي ص ١٣٢، ح: ٧.