المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٤ - ١٠- مقدمات دليل الانسداد (١)
٤- (المقدمة الرابعة): إنه بعد أن أبطلنا الرجوع إلى الحالات الثلاث ينحصر الأمر في الرجوع إلى الحالة الرابعة في المسائل التي يقوم فيها الظن، و فيها يدور الأمر بين الرجوع إلى الطرف الراجح في الظن و بين الرجوع إلى الطرف المرجوح، أي:
الموهوم. و لا شك: في أن الأخذ بطرف المرجوح ترجيح للمرجوح على الراجح، و هو قبيح عقلا.
و عليه، فيتعين الأخذ بالظن ما لم يقطع بعدم جواز الأخذ به كالقياس. (و هو المطلوب). و في فرض الظن المقطوع بعدم حجيته يرجع إلى الأصول العملية، كما يرجع إليها في المسائل المشكوكة التي لا يقوم فيها ظن أصلا.
القطع بإتيان الواقع الحقيقي أو الجعلي- أي: ما أدى إليه الطريق المعتبر شرعا كخبر الثقة- ففي حال الانسداد يقوم الظن بالمكلف به الواقعي و الجعلي مقام القطع بهما» [١].
و أما محصل ما ذكره الشيخ الأنصاري (قدس سره) في مقام الاستدلال على ما اختاره فهو: «لا فرق في الامتثال الظنّيّ بين الحكم الواقعيّ و الحكم الظاهريّ. و في بيان مراده قال (قدس سره): إنك قد عرفت أنّ قضيّة المقدّمات المذكورة وجوب الامتثال الظنّيّ للأحكام المجهولة، فاعلم إنّه لا فرق في الامتثال الظنّيّ بين تحصيل الظنّ بالحكم الفرعيّ الواقعيّ، كأن يحصل من شهرة القدماء الظنّ بنجاسة العصير العنبيّ، و بين تحصيل الظنّ بالحكم الفرعيّ الظاهريّ، كأن يحصل من أمارة الظنّ بحجّيّة أمر لا يفيد الظنّ، كالقرعة مثلا، فإذا ظنّ حجّيّة القرعة حصل الامتثال الظنّيّ في مورد القرعة، و إن لم يحصل ظنّ بالحكم الواقعيّ، إلّا أنّه حصل ظنّ ببراءة ذمّة المكلّف في الواقعة الخاصّة، و ليس الواقع بما هو واقع مقصودا للمكلف إلّا من حيث كون تحقّقه مبرئا للذّمة. فكما إنه لا فرق في مقام التمكن من العلم بين تحصيل العلم بنفس الواقع و بين تحصيل العلم بموافقة طريق علم كون سلوكه مبرئا للذمّة في نظر الشارع، فكذا لا فرق عند تعذّر العلم بين الظنّ بتحقّق الواقع و بين الظنّ ببراءة الذمة في نظر الشارع».
- و أما بالنسبة إلى من قال أن نتيجة هذه المقدمات على تقدير تماميتها هي حجيّة الظن بالواقع، و عدم شموله للظن بالطريق كما ذهب إلى هذا القول الوحيد البهبهاني (قدس سره). و حاصله: أن مصب المقدمات لما كان خصوص الفروع، فمقتضى ذلك اختصاص نتيجتها- و هي اعتبار الظن- بنفس الحكم الشرعي الفرعي كالوجوب و الاستحباب مثلا، دون الظن بطريقية مثل خبر العدل إلى الواقع، إذ مفاد المقدمات أجنبي عنه، و معه لا موجب للتنزل من تحصيل العلم باعتبار الطريق إلى الظن به بمجرد انسداد باب العلم بالأحكام الفرعية مع انفتاحه في المسائل الأصولية. هذا على حد تعبير المروج في شرحه للكفاية.
[١] راجع: منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج ٤، ص ٦١٤.