المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٢ - ١٠- مقدمات دليل الانسداد (١)
و أما (الثانية): و هي الأخذ بالاحتياط، فإنه يلزم منه العسر و الحرج الشديدان، بل يلزم اختلال النظام لو كلّف جميع المكلفين بذلك.
و أما (الثالثة): و هي الأخذ بالأصل الجاري فلا يصح أيضا لوجود العلم الإجمالي بالتكاليف، و لا يمكن ملاحظة كل مسألة على حدة غير منضمّة إلى غيرها من
على وجه الاحتياط و عدم جواز الرجوع فيه إلى الأصول الشرعيّة كما هو مقتضى المقدّمة الثالثة: تعيّن بحكم العقل التعرّض لامتثالها على وجه الظنّ بالواقع فيها، إذ ليس بعد الامتثال العلميّ و الظنيّ بالظن الخاصّ المعتبر في الشريعة امتثال مقدم على الامتثال الظنيّ.
و توضيح ذلك: أنه إذا وجب عقلا أو شرعا التعرض لامتثال الحكم الشرعيّ فله مراتب أربع:
الأولى: الامتثال العلميّ التفصيلي. و هو أن يأتي بما يعلم تفصيلا أنّه هو المكلّف به. و في معناه: ما إذا ثبت كونه هو المكلّف به بالطريق الشرعيّ و إن لم يفد العلم و لا الظنّ، كالأصول الجارية في مواردها و فتوى المجتهد بالنسبة إلى الجاهل العاجز عن الاجتهاد.
و فقدان العلمية التفصيلية في المقام معلوم، إذ المفروض: انسداد باب العلم بالأحكام.
المرتبة الثانية: الامتثال العلميّ الإجمالي، و هو يحصل بالاحتياط، و فقدان هذه المرتبة واضح، لعدم إمكانه أو عدم وجوبه كما مر سابقا فراجع.
المرتبة الثالثة: الامتثال الظنّيّ، و هو أن يأتي المكلف بما يظنّ أنه المكلّف به.
المرتبة الرابعة: الامتثال الاحتماليّ بمعنى: الإطاعة الاحتمالية من الشكية و الوهمية، و هي التي لا توجب شيئا من العلم أو الظن بامتثال التكليف، و من المعلوم: أنه بعد فقدان المرتبتين الأوليين تصل النوبة إلى المرتبة الثالثة و هي الإطاعة الظنية دون الاحتمالية، لمرجوحيتها بالنسبة إلى الامتثال الظني، فتقديمها عليه قبيح، لأنه ترجيح المرجوح على الراجح. و هذا و قد تعرض الشيخ الأنصاري إلى هذا المعنى في قوله: «و هذه المراتب مترتّبة لا يجوز بحكم العقل العدول عن سابقها إلى لاحقها إلّا مع تعذّرها، على إشكال في الأولين تقدم في أوّل الكتاب، و حينئذ فإذا تعذّرت المرتبة الأولى و لم تجب الثانية تعينت الثالثة، و لا يجوز الاكتفاء بالرابعة». و في النتيجة قال الشيخ الأنصاري في رسائله:
«و الحاصل: أنّه- بعد ما ثبت بحكم المقدمة الثانية وجوب التعرض لامتثال المجهولات بنحو من الأنحاء و حرمة إهمالها و فرضها كالمعدوم، و ثبت بحكم المقدّمة الثالثة عدم وجوب امتثال المجهولات بالاحتياط و عدم جواز الرجوع في امتثالها إلى الأصول الجارية في نفس تلك المسائل، و لا إلى فتوى من يدّعي انفتاح باب العلم بها- تعيّن وجوب تحصيل الظنّ بالواقع فيها و موافقته، و لا يجوز قبل تحصيل الظنّ الاكتفاء بالأخذ بأحد طرفي المسألة، و لا بعد تحصيل الظنّ الآخذ بالطرف الموهوم، لقبح الاكتفاء في مقام الامتثال بالشكّ و الوهم مع التمكّن من الظنّ، كما يقبح الاكتفاء بالظنّ مع التمكن من العلم، و لا يجوز أيضا الاعتناء بما يحتمل أن يكون طريقا معتبرا مع عدم إفادته للظنّ، لعدم خروجه عن الامتثال الشكّيّ أو الوهميّ، هذا خلاصة الكلام في مقدّمات دليل الانسداد المنتجة لوجوب العمل بالظنّ في الجملة».