المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٢١ - أ- أدلة حجية خبر الواحد من الكتاب العزيز
و الغرض: أن هذه الآية واردة في مورد ما هو بيّن واجب القبول سواء كتم أم ظهر، لا في مورد يكون قبوله من جهة الإظهار حتى تكون ملازمة بين وجوب القبول و حرمة الكتمان فيقال: لو لم يقبل لما حرم الكتمان. و بهذا يظهر الفرق بين هذه الآية و آية النفر.
على أحد التفسيرين:
و التفسير الآخر: هو أن المراد بأهل الذكر هم الأئمة (عليهم السلام) فلا ربط له، بحجية الخبر الواحد بالمعنى المصطلح عندنا [١].
ثانيا: قال الشيخ الأنصاري (قدس سره): إن الظاهر من وجوب السؤال عند عدم العلم وجوب تحصيل العلم، لا وجوب السؤال للعمل بالجواب تعبدا- حتى يثبت به وجوب التعبد بالخبر الواحد- كما يقال في العرف: سل إن كنت جاهلا. و يؤيده: أن الآية واردة في أصول الدين و علامات النبي كما ذكرنا في الإيراد الأول التي لا يؤخذ فيها بالتعبد إجماعا.
قال صاحب الكفاية في كفايته في مقام الرد على تقريب الاستدلال: «و قد أورد على الاستدلال بالآية:
بأنه لو سلم دلالتها على التعبد بما أجاب أهل الذكر، فلا دلالة لها على التعبد بما يروي الراوي، فإنه بما هو راو لا يكون من أهل الذكر و العلم، فالمناسب إنما هو الاستدلال بها على حجية الفتوى لا الرواية.».
إلّا أن صاحب الكفاية يرد على هذا الإيراد قائلا: «إن أهل العلم و إن كان لا يطلق اصطلاحا على من علم من طريق الحواس الظاهرة كما في المقام، حيث أن الراوي يعلم كلام المعصوم (عليه السلام) بالسمع، فلا يطلق عليه أهل العلم، و إنما يطلق على خصوص من علم بالقوة الناطقة، إلّا أن عدة من الرواة كانوا واجدين لمرتبتين: الفتوى و الرواية، فالآية تدل على حجية قوله من حيث إنه من أهل الذكر، و يثبت اعتبار قوله من حيث كونه راويا بعدم الفصل في اعتبار الرواية بينه و بين من لا يكون إلّا راويا؛ كجملة من الرواة الذين لم يكونوا من أهل الذكر، يعني: كل من قال باعتبار رواية واجدا لمرتبتين قال باعتبار رواية الواجد لمرتبة الرواية فقط. كما يثبت اعتبار قول الراوي مطلقا بعدم الفصل أيضا بين ما يكون مسبوقا بسؤال و بين غيره، فإن مقتضى هذه الآية و إن كان حجية قول أهل الذكر- دون الرواة- في خصوص ما يكون مسبوقا بالسؤال، فيكون أخص من المدعى، و لكن بعدم الفصل المزبور يتم المطلوب، و يندفع إشكال الأخصية» [٢].
- و من جملة الآيات التي استدل بها بعض المعاصرين على حجية خبر الواحد قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. البقرة/ ١٥٩ تقريب الاستدلال بهذه الآية هو: أن حرمة الكتمان و وجوب الإظهار يلازم وجوب القبول، و إلّا يكون لغوا.
[١] راجع كتاب منتهى الأصول.
[٢] منتهى الدراية، ج ٤، ص ٤٨٩.