المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٢٠ - التنبيه الثاني (١) الشبهة العبائية أو استصحاب الفرد المردد
.....
من جريان الاستصحاب في البقاء.
فإنه يقال: لا مجال للاستصحاب أيضا، لاستناد الشيء إلى أسبق علله، و حكم العقل بلزوم تحصيل العلم بالفراغ مستند إلى العلم الإجمالي بحدوث التكليف، و من المعلوم: تقدم الحدوث على البقاء.
ثم أنه قد يتوهم أن عدم جريان الاستصحاب في الفرد المردد إنما هو فيما إذا كان العنوان الإجمالي مقصودا بالأصالة و بنحو الموضوعية، و أما إذا كان مقصودا بالعرض و بنحو العنوان المشير إلى ما هو الموضوع للأثر الشرعي: فلا مانع من التعبد ببقائه للوصول إلى التعبد ببقاء ما هو الموضوع للحكم.
لكنه فاسد، إذ فيه أولا: عدم صلاحية المردد المجهول للحكاية عن الفرد المعين و العلم به، لأن التردد مساوق للجهل الذي يمتنع أن يكون موجبا للعلم.
و ثانيا: عدم إمكان تعنون المحكي بالعنوان الحاكي عنه، مع أن تعنونه بذلك ضروري، مثلا: عنوان «من في الصحن» لا يجعل مشيرا إلى أشخاص إلّا إذا كانوا داخلين في الصحن، و لا يصح جعله مشيرا إلى الخارجين عنه و إن كان المقصود ذواتهم دون هذا العنوان العرضي، و من المعلوم امتناع تعنون المحكي بعنوان الفرد المردد بهذا العنوان لأن المحكي معين و هو مضاد للفرد المردد، فلا يصلح المردد للحكاية عن المعين الذي هو موضوع الأثر.
و ثالثا: ما أفاده شيخنا العراقي (قدس سره) من: أنه إن أخذ عنوانا لهذا الفرد كان مقطوع البقاء، و إن أخذ عنوانا للفرد الآخر كان مقطوع الارتفاع، فلا شك في البقاء إلّا بعنوان الفرد المردد الذي ليس هو موضوع الأثر بالفرض حتى يجري فيه الاستصحاب. و أما الصورة الثانية، و هي الشك في بقاء الفرد المردد لا من جهة اليقين بارتفاع أحد الفردين، بل من جهة أخرى- كما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد الإناءين ثم شك في زوال نجاسته بسبب احتمال ورود مطهر من مطر أو غيره عليه- فقد ظهر حكمها مما تقدم، حيث إن عنوان الفرد المردد لم يرد في دليل موضوعا لحكم شرعي حتى يجري فيه الاستصحاب، كما لا يجري في كل واحد من الفردين معينا، لانتفاء اليقين بالخصوصية، إذ لم يتعلق ذلك إلّا بعنوان أحدهما المردد الذي لا أثر له إلّا لزوم الاجتناب عنهما، و هو حكم عقلي مترتب على تنجيز العلم، و معه لا حاجة إلى جريان الاستصحاب فيه، بل لا وجه له، لما أشير إليه سابقا من عدم جريانه في موارد قاعدة الاشتغال، هذا ما يتعلق بمهمات مباحث الأمر الأول أعني: استصحاب الفرد المردد.
استصحاب المفهوم المردد:
و أما الأمر الثاني و هو استصحاب المفهوم المردد- كتردد مفهوم الكر بين ما بلغ مكسره ثلاثة و أربعين شبرا إلّا ثمن شبر كما هو المشهور بناء على كون كل بعد من أبعاده الثلاثة ثلاثة أشبار و نصف شبرا، أو ستة و ثلاثين شبرا بناء على كون بعده العمقي أربعة أشبار، و كل واحد من بعديه الآخرين ثلاثة أشبار. و كتردد مفهوم النهار بين ما ينتهي باستتار القرص أو بذهاب الحمرة المشرقية، و كتردد مفهوم الرضاع الناشر للحرمة بين ما بلغ عشر رضعات أو خمس عشرة رضعة، و كتردد مفهوم العدالة بين ترك الكبائر فقط أو مع الاجتناب عن منافيات المروءة، و كتردد مفهوم الغناء بين الصوت المشتمل على مطلق الترجيع أو خصوص الترجيع المطرب المناسب لمجالس اللهو و محافل الطرب، إلى غير ذلك من المفاهيم المرددة بين ما يعلم بارتفاعه و ما يعلم ببقائه- فقد ظهر مما تقدم في الفرد المردد عدم صحة