المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١١٦ - أ- أدلة حجية خبر الواحد من الكتاب العزيز
على نحو الوجوب أو الترخيص لغوا بلا فائدة؛ بعد أن نفى وجوب النفر على الجميع، بل لو لم يكن نقل الأحكام حجة لما بقيت طريقة لتعلم الأحكام تكون معذرة للمكلف و حجة له أو عليه.
و الحاصل: أن رفع وجوب النفر على الجميع و الاكتفاء بنفر قسم منهم ليتفقهوا في الدين و يعلموا الآخرين هو بمجموعه دليل واضح على حجية نقل الأحكام في الجملة؛ و إن لم يستلزم العلم اليقيني؛ لأن الآية من ناحية اشتراط الإنذار بما يوجب العلم مطلقة، فكذلك تكون مطلقة من ناحية قبول الإنذار و التعليم، و إلّا كان هذا التدبير الذي شرعه الله لغوا و بلا فائدة، و غير محصل للغرض الذي من أجله كان النفر و تشريعه.
هكذا ينبغي أن تفهم الآية الكريمة في الاستدلال على المطلوب، و بهذا البيان يندفع كثير مما أورد على الاستدلال بها للمطلوب.
و ينبغي ألا يخفى عليكم: إنه لا يتوقف الاستدلال بها على أن يكون نفر الطائفة من كل قوم واجبا، بل يكفي ثبوت أن هذه الطريقة مشرعة من قبل الله و إن كان بنحو الترخيص بها؛ لأن نفس تشريعها يستلزم تشريع حجية نقل الأحكام من المتفقه. فلذلك لا تبقى حاجة إلى التطويل في استفادة الوجوب.
كما أن الاستدلال بها لا يتوقف على كون الحذر عند إنذار النافرين المتفقهين واجبا، و استفادة ذلك من (لعل) أو من أصل حسن الحذر، بل الأمر بالعكس، فإن نفس جعل حجية قول النافرين المتفقهين المستفاد من الآية يكون دليلا على وجوب الحذر.
نعم يبقى شيء، و هو أن الواجب أن ينفر من كل فرقة طائفة، و الطائفة ثلاثة فأكثر، أو أكثر من ثلاثة. و حينئذ لا تشمل الآية خبر الشخص الواحد أو الاثنين.
و لكن يمكن دفع ذلك بأنه لا دلالة في الآية على أنه يجب في الطائفة أن ينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم مجتمعين بشرط الاجتماع، فالآية من هذه الناحية مطلقة، و بمقتضى إطلاقها يكون خبر الواحد لو انفرد بالأخبار حجة أيضا. يعني: أن العموم فيها إفرادي لا مجموعي.
«تنبيه»: إن هذه الآية الكريمة تدل أيضا على وجوب قبول فتوى المجتهد بالنسبة إلى العامي، كما دلت على وجوب قبول خبر الواحد، و ذلك ظاهر لأن كلمة التفقه