المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١١٤ - أ- أدلة حجية خبر الواحد من الكتاب العزيز
و المراد من النفر بقرينة باقي الآية: النفر إلى الرسول للتفقه في الدين لا النفر إلى الجهاد، و إن كانت الآيات التي قبلها واردة في الجهاد، فإن ذلك وحده غير كاف ليكون قرينة، مع ظهور باقي الآية في النفر إلى التعلم و التفقه. إن الكلام الواحد يفسر بعضه بعضا.
و هذه الفقرة إما جملة خبرية يراد بها إنشاء نفي الوجوب فتكون في الحقيقة جملة إنشائية (١)، و إما جملة خبرية يراد بها الإخبار- جدا- عن عدم وقوعه من الجميع إما لاستحالته عادة أو لتعذره اللازم له عدم وجوب النفر عليهم جميعا (٢)، فتكون دالة بالدلالة الالتزامية على عدم جعل مثل هذا الوجوب من الشارع. و على كلا الحالين فهي تدل على عدم تشريع وجوب النفر على كل واحد واحد إما إنشاء أو إخبارا.
و لكن ليس من شأن الشارع بما هو شارع أن ينفي وجوب شيء إنشاء أو إخبارا إلّا إذا كان في مقام رفع توهم الوجوب لذلك الشيء أو اعتقاده. و اعتقاد وجوب النفر أمر متوقع لدى العقلاء؛ لأن التعلم واجب عقلي على كل أحد، و تحصيل اليقين فيه المنحصر عادة في مشافهة الرسول أيضا واجب عقلي. فحق أن يعتقد المؤمنون بوجوب النفر إلى الرسول شرعا لتحصيل المعرفة بالأحكام.
و من جهة أخرى، فإنه مما لا شبهة فيه: إن نفر جميع المؤمنين في جميع أقطار الإسلام إلى الرسول لأخذ الأحكام منه بلا واسطة- كلما عنت حاجة و عرضت لهم مسألة- أمر ليس عمليا من جهات كثيرة، فضلا عما فيه من مشقة عظيمة لا توصف بل هو مستحيل عادة.
إذا عرفت ذلك فنقول: إن الله تعالى أراد بهذه الفقرة- و الله العالم- أن يرفع عنهم هذه الكلفة و المشقة برفع وجوب النفر رحمة بالمؤمنين. و لكن هذا التخفيف ليس معناه أن يستلزم رفع أصل وجوب التفقه، بل الضرورات تقدر بقدرها. و لا شك: أن التخفيف يحصل برفع الوجوب على كل واحد واحد، فلا بدّ من علاج
(١) أي: «لا تنفروا كافة ...».
(٢) و بعبارة أخرى نقول: لازم كون الإخبار بعدم وقوع النفر من الجميع و استحالته هو عدم وجوبه من قبل الشارع؛ لأن المستحيل لا يمكن أن يوجبه الشارع، و كذا إذا أخبرنا الشارع عن تعذره فلازم هذا عدم وجوبه؛ لأن الشارع لا يوجب الشيء العسير و المتعذر.