المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٧٠ - حقيقة العلم الإجمالي و الشك المقرون به
و له وجاهة لو كان إجراء البراءة بواسطة الفقيه قبل الفحص عن الأحكام، حيث أن في هذه الصورة الاحتمال في أطراف العلم الإجمالي بثبوت تكاليف واقعية يكون منجزا و مانعا عن تأثير دليل البراءة للتعارض؛ لكن محط النظر في محل البحث هو إجراء البراءة بنظر الفقيه بعد الفحص (١) بتتبع الآيات و الأخبار و الشهرات و الإجماعات و الأصول المثبتة للأحكام التكليفية و الوضعية.
و بعد ملاحظتها يحصل و يتجمع عند الفقيه المستنبط كمية كبيرة من الأحكام تفصيلا على نحو القطع- افرض- لا تقلّ عددا عن العدد المعلوم إجمالا أولا، فهذه المعلومة تفصيلا كانت منجزة قبل قيام الأدلّة و الأمارات على ثبوتها لا يمكن أن تصبح منجزة بالعلم الإجمالي المذكور؛ (لعدم قبول مورد واحد لحكمين متماثلين)، فتخرج عن كونها مجرى لأصالة البراءة، و حينئذ تبقى الموارد الأخرى المجهولة مشكوكة بدوية تحت عمل أصالة البراءة بلا معارض.
و بناء عليه، العلم الإجمالي المذكور ينحل بانحلال أثره و هو التنجز ببركة العلم التفصيلي المسطور، فالأصول النافية المؤمنة من البراءة و غيرها جارية طرا خارج نطاق هذا العلم لطرد التكليف المشكوك.
و أما إذا كان التكليف محرزا و يشك في المكلف به بين أطراف المحتملات بعلم إجمالي، فالكلام هنا في مرحلة العلم بإتيان بعض المحتملات دون بعض يرجع إلى منجزية الاحتمال، و هذا يكون مجرى لأصالة الاشتغال.
حقيقة العلم الإجمالي و الشك المقرون به:
الحق: إنه لا إجمال في العلم فإنه نور و مرآة و كاشف، و إنما الإجمال في متعلقه فهو كالعلم التفصيلي بيان يحتج به.
و بحيث أنه يتعلق لا على التعيين- أي: على نحو الإبهام و الإجمال- بأحد الأفراد- الذي هو الجامع المخترع للذهن- على وضع يكون كل واحد طرفا لاحتمال تعلق التكليف به، أو يكون هو المكلف به يطلق عليه: العلم الإجمالي، فالوصف أولا و بالذات بحال المتعلق لا بحال الموصوف النحوي، و في الوقت يكون العلم الإجمالي بنفسه منجزا، و لأجل المعارضة بين الأفراد تلك المعارضة الحاصلة من
(١) تقدم الكلام عليه في التنبيه الثالث من تنبيهات البراءة عند الوقوف على أبوابها. (المصنّف).