المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٩٨ - ٥- الحكومة و الورود
إن موضوعا يحتاج إلى درس ستة أشهر- و إن كان فيه نوع من المبالغة- كم يحتاج إلى البسط في البيان، بينما إن الشيخ في كتبه لم يوفه حقه من البيان، إلّا بعض الشيء في التعادل و التراجيح، و بعض اللقطات المتفرقة في غضون كتبه. و لذا بقي الموضوع متأرجحا في كتب الأصوليين من بعده، و إن كان مقصودهم و مقصوده أصبح واضحا عند أهل العلم في العصور المتأخرة.
و لا يسع هذا المختصر شرح هذا الأمر شرحا كافيا، و إنما نكتفي بالإشارة إلى خلاصة ما توصلنا إليه من فهم معنى الحكومة، و فهم معنى أخيها (الورود) قدر الإمكان، فنقول:
١- الحكومة: إن الذي نفهمه من مقصودهم في الحكومة هو: أن يقدم أحد الدليلين على الآخر تقديم سيطرة و قهر من ناحية أدائية، و لذا سميت بالحكومة، فيكون تقديم الدليل الحاكم على المحكوم ليس من ناحية السند و لا من ناحية الحجية، بل هما على ما هما عليه من الحجية بعد التقديم، أي: إنهما بحسب لسانهما و أدائهما لا يتكاذبان في مدلولهما، فلا يتعارضان. و إنما التقديم- كما قلنا- من ناحية أدائية بحسب لسانهما، و لكن لا من جهة التخصيص و لا من جهة (الورود) الآتي معناه.
فأي تقديم للدليل على الآخر بهذه القيود فهو يسمى (حكومة).
و هذا في الحقيقة هو الضابط لها، فلذلك وجب توضيح الفرق بينهما و بين التخصيص من جهة، ثم بينها و بين الورود من جهة أخرى، ليتضح معناها بعض الوضوح.
أما الفرق بينها و بين (التخصيص) فنقول: إن التخصيص ليكون تخصيصا لا بد أن يفرض فيه الدليل الخاص منافيا في مدلوله للعام، و لأجل هذا يكونان متعارضين متكاذبين بحسب لسانهما بالنسبة إلى موضوع الخاص، غير أنه لما كان الخاص أظهر من العام فيجب أن يقدم عليه لبناء العقلاء على العمل بالخاص، فيستكشف منه: إن المتكلم الحكيم لم يرد العموم من العام و إن كان ظاهر اللفظ العموم و الشمول، لحكم العقل بقبح ذلك من الحكيم مع فرض العمل بالخاص عند أهل المحاورة عند العقلاء.
و عليه، فالتخصيص عبارة عن الحكم بسلب حكم العام عن الخاص و إخراج الخاص عن عموم العام، مع فرض بقاء عموم لفظ العام شاملا للخاص بحسب لسانه و ظهوره الذاتي.