المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢١ - ٦- المناط في إثبات حجية الأمارة
و قد فاتهم إن الأصوليين إذ أخذوا بالظنون الحاصلة لم يأخذوا بها من جهة أنها ظنون فقط، بل أخذوا بها من جهة أنها معلومة الاعتبار على سبيل القطع بحجيّتها، فكان أخذهم بها في الحقيقة أخذا بالقطع و اليقين، لا بالظن و الخرص و التخمين (١).
(١) نطرح هنا سؤالا و هو: هل يمكن للشارع جعل الأمارة و الأصل العملي حجة أو لا؟ و قد عنون هذا السؤال في كتب الأصوليين بعنوان إمكان التعبد بالأمارات فنسأل هل يمكن للمولى التعبد بالأمارات أم لا؟ ذكر السيد الصدر (قدس سره) في حلقته الثالثة الجزء الأول هذا المبحث في ضمن عنوان حجية القطع. و ذكره فضيلة الأستاذ باقر الإيرواني في شرحه هذا المبحث تحت عنوان الجمع بين الأحكام الظاهرية و الواقعية و إليك ما شرحه. قال فضيلة الأستاذ الشيخ باقر الإيرواني «حفظه الله»: إنه وقع كلام بين الأصولين في إن الشارع هل يمكنه جعل الأمارة و الأصل العملي حجة أو لا؟
نسب إلى ابن قبة- الذي هو أحد علمائنا المتقدمين- استحالة ذلك، فخبر الثقة مثلا لا يمكن جعله حجة لما يأتي من محاذير. كما و أن المحاذير التي سننقلها لم يذكرها ابن قبة جميعا، و إنما ذكر بعضها و أضيف إليه بعد ذلك بعض أخر.
و ترجع حصيلة المحاذير إلى أن الحكم الظاهري يتنافى و الحكم الواقعي و لا يجتمع معه، و من هنا:
فاللازم لدفع هذه المحاذير التوفيق الكامل بين الحكم الظاهري و الواقعي بحيث يمكن اجتماع هذا مع ذاك، و لهذا يطلق الأصوليون على هذا المبحث اسم مبحث الجمع بين الأحكام الظاهرية و الواقعية، و قد تفنن الأصوليون في كيفية الإجابة عن المحاذير المذكورة، و قد تركت بعض الأجوبة تأثيرها على بعض المسائل الأصولية الأخرى، الأمر الذي يعطي لهذا المبحث أهميته حتى عبّر السيد الشهيد (قدس سره) عن هذه المحاذير في مجلس درسه الشريف بأنها حرّكت عجلة علم الأصول.
و تلك المحاذير أو الشبهات ثلاث: الأول: تقدم الكلام أن الأحكام الواقعية مشتركة بين الجميع، و لازم ذلك اجتماع المثلين أو الضدّين، فإن الحكم الواقعي لصلاة الجمعة إذا كان هو الوجوب مثلا و أدّت الأمارة التي أخذ بها المكلّف إلى الوجوب أيضا لزم اجتماع المثلين على صلاة الجمعة: الوجوب الواقعي و الوجوب الظاهري. و إن أدّت الأمارة إلى الحرمة لزم اجتماع الضدين: الوجوب الواقعي و الحرمة الظاهرية.
و هذه الشبهة تسمى بشبهة التضاد، و هي مبنية على القول باشتراك الأحكام الواقعية، أما على القول بالتصويب- بمعنى: خلو الواقع عن الحكم في الجاهل- فلا تتم كما هو واضح.
و قد تقول: ما المحذور في اجتماع الحكمين المتضادين أو المتماثلين ما دام أحدهما واقعيا و الآخر ظاهريا، و إنما المحذور- كما تقدم في الحلقة الثانية- يختص بما إذا كان الحكمان واقعيين أو ظاهريين؟
و الجواب: إن ما تقدم في الحلقة الثانية كان جوابا مؤقتا و إلّا فمجرد كون أحد الحكمين ظاهريا و الآخر واقعيا لا يزعزع من المشكلة شيئا، فإن كل واحد من الحكمين ما دام ناشئا عن مبادئ خاصة به فيلزم من اجتماع الحكمين اجتماع المصلحتين أو المفسدتين أو المصلحة و المفسدة، و هذا المحذور يعم حالة ما إذا كان أحد الحكمين ظاهريا أو واقعيا كما هو واضح.