المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٨٩ - ٢- شروط التعارض
و سيأتي أن الحكومة و الورود يرفعان التعارض و التكاذب بين الدليلين. و لا بد من إفراد بحث عنهما أيضا، فإنه أمر أساسي في تحقيق التعارض و فهمه.
إلى الحجة و دليل حجية خبر الثقة، فإنه بمقتضى الدليل الثاني يثبت مصداق جديد للحجة و يجوز الاستناد إليه في مقام الإفتاء، فالدليل الثاني وارد على الدليل الأولى بمعنى: أنه محقق لفرد من موضوع الدليل الأول الذي هو الحجة.
و كما قلنا: إنه في هذين الموردين و ما شاكلهما لا تعارض في المقام بل يتقدم دليل الوارد على المورود.
ثم ذكر الشيخ باقر الإيرواني في مقام شرح الحلقة الثالثة للسيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره) تقسيم الورود قائلا: يمكن تقسيم الورود باعتبار من الاعتبارات إلى أقسام ثلاثة هي:
١- أن يكون الدليل الوارد رافعا لموضوع الدليل المورود بفعليته، بمعنى: كون الدليل المورود مقيدا بعدم فعلية الدليل الوارد.
٢- أن يكون الدليل الوارد رافعا لموضوع الدليل المورود بوصوله لا بمجرد فعليته، بمعنى: كون الدليل المورود مقيدا بعدم العلم بالدليل الوارد.
٣- أن يكون الدليل الوارد رافعا لموضوع الدليل المورود بامتثاله لا بفعليته و وصوله، بمعنى: كون الدليل المورود مقيدا بعدم امتثال الدليل الوارد.
مثال الأول: دليل صحة الإجارة على المباح و دليل حرمة إدخال الجنب في المسجد، فإن حرمة إدخال الجنب متى ما كانت فعلية تحقق بذلك عدم صحة الإجارة؛ حتى و إن لم تصل الحرمة الفعلية. و ينبغي الالتفات إلى أن فعلية الحكم بفعلية موضوعه، فمتى ما صدق عنوان إدخال الجنب تحققت الحرمة الفعلية؛ حتى و إن لم يعلم بها المكلف و لم تصل له، فإن الوصول ليس شرطا لفعلية الحكم و إنما هو شرط للتنجيز و استحقاق العقوبة.
و مثال الثاني: دليل القرعة لكل أمر مشكل و دليل أصالة الحلية، فلو كان لدينا مائع مردد بين الخل و الخمر فهو مشكل قبل الالتفات إلى أصالة الحلية، أما بعد الالتفات إلى أصالة الحلية و أن كل شيء حلال حتى تعرف أنه حرام فلا يبقى عنوان المشكل صادقا، و كيف يبقى صادقا و الشارع يقول: أنه حلال!!
إذا: ببركة أصالة الحلية يرتفع عنوان المشكل و لكن لا يرتفع بمجرد تشريع أصالة الحلية و فعليته، بل لا بد و أن يصل إلى المكلف و يعلم بثبوت الحلية في حقه، فإنه حينذاك يرتفع عنوان المشكل.
و مثال الثالث: الصلاة المزاحمة بإزالة النجاسة عن المسجد، فإن دليل وجوب الصلاة- التي هي الواجب المهم- مقيد بعدم الاشتغال بامتثال الإزالة التي هي الأهم، فدليل وجوب الإزالة وارد على دليل وجوب الصلاة بمعنى: أنه بامتثاله يرفع موضوع وجوب الصلاة.
تقسيم ثاني للورود: و هناك تقسيم ثاني للورود- باعتبار آخر- و هو: أن الورود تارة: يكون من جانب أحد الدليلين دون الآخر و أخرى: يكون من كلا الجانبين.
أما الورود من جانب واحد فمثاله ما تقدم، فإن دليل وجوب الإزالة مثلا هو الوارد على دليل وجوب