المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٨٧ - ٢- شروط التعارض
٤- أن يكون كل من الدليلين واجدا لشرائط الحجية، بمعنى: أن كلا منهما لو خلي و نفسه و لم يحصل ما يعارضه لكان حجة يجب العمل بموجبه، و إن كان أحدهما لا على التعيين بمجرد التعارض يسقط عن الحجية بالفعل.
و السر في ذلك واضح، فإنه لو كان أحدهما غير واجد لشرائط الحجية في نفسه لا يصلح أن يكون مكذبا لما هو حجة، و إن كان منافيا له في مدلوله فلا يكون معارضا له، لما قلنا من أن التعارض وصف للدالين بما دالان في مقام الإثبات، و إذا لا إثبات فيما هو غير حجة فلا يكذب ما فيه الإثبات.
إذا: لا تعارض بين الحجة و اللاحجة، كما لا تعارض بين اللاحجتين.
و من هنا يتضح: إنه لو كان هناك خبر- مثلا- غير واجد لشرائط الحجة و اشتبه بما هو واجد لها، فإن الخبرين لا يدخلان في باب التعارض، فلا تجري عليهما أحكامه و قواعده، و إن كان من جهة العلم بكذب أحدهما حالهما حال المتعارضين.
كما أن بالإمكان أن يصبح مجعولاهما فعليين معا، و ذلك فيما إذا ترك المكلف كلا الضدين، فيكون كل من المجعولين فعليا لتحقق قيده، و لكن التنافي واقع بين امتثاليهما إذ لا يمكن للمكلف أن يمتثلهما معا، و يتلخص من ذلك: أن التنافي و عدم إمكان الاجتماع تارة: بين نفس الجعلين، و أخرى: بين المجعولين، و ثالثة: بين الامتثالين.
و إذا اتضحت هاتان المقدمتان فنقول: إذا ورد دليلان على حكمين، و حصل التنافي فإن كان التنافي بين الجعلين لهذين الحكمين فهو تناف بين مدلولي الدليلين؛ لما عرفت في المقدمة الأولى من أن مدلول الدليل هو الجعل، و يتحقق التعارض بين الدليلين حينئذ لأن كلا منهما ينفي مدلول الدليل الآخر، و إن لم يكن هناك تناف بين الجعلين، بل كان بين المجعولين أو بين الامتثالين، فلا يرتبط هذا التنافي بمدلول الدليل؛ لما عرفت من أن فعلية المجعول- فضلا عن مقام امتثاله- ليست مدلولة للدليل، فلا يحصل التعارض بين الدليلين لعدم التنافي بين مدلوليهما، و تسمى حالات التنافي بين المجعولين مع عدم التنافي بين الجعلين: بالورود، و يعبر عن الدليل الذي يكون المجعول فيه نافيا لموضوع المجعول في الدليل الآخر:
بالدليل الوارد، و يعبر عن الدليل الآخر بالمورود.
و تسمى حالات التنافي بين الامتثالين مع عدم التنافي بين الجعلين و المجعولين: بالتزاحم، و من هنا نعرف أن حالات الورود و حالات التزاحم خارجة عن نطاق التعارض بين الأدلّة، و لا ينطبق عليها أحكام هذا التعارض، بل حالات الورود يتقدم فيها الوارد على المورود دائما، و حالات التزاحم يتقدم فيها الأهم على الأقل أهمية كما تقدم في مباحث الدليل العقلي.
و يتلخص من ذلك: كله أن التعارض بين الدليلين هو التنافي بين مدلولي هذين الدليلين الحاصل من أجل التضاد بين الجعلين المفادين بهما.