المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٥٨ - تمهيد (١)
و أول من توسع فيه في القرن الثاني أبو حنيفة (رأس القياسيين)، و قد نشط في عصره، و أخذ به الشافعية و المالكية، و لقد بالغ به جماعة فقدموه على الإجماع، بل غلا آخرون فردوا الأحاديث بالقياس، و ربما صار بعضهم يؤول الآيات بالقياس.
و عبر السيد السيد الصدر في هذا المورد قائلا: «و من الطبيعي على هذا الأساس أن نتكلم عن العلاقات العقلية القائمة في عالم الأحكام تحت عنوان «الدليل القياسي»، لأنها تكوّن العناصر المشتركة في الدليل القياسي، و لكنا بالرغم من ذلك استبدلنا كلمة القياس ب «البرهان»، لأن كلمة القياس قد يختلط معناها المنطقي الذي نريده هنا بمعان أخرى، فآثرنا أن نضع الدليل البرهاني عنوانا لدراسة تلك العلاقات العقلية».
كما خرج القياس المنطقي، كذلك يخرج القياس المنصوص العلة. و مثاله:
الخمر حرام لأنه مسكر ... صغرى
إذا: كل مسكر حرام ... كبرى
و كل مورد وجدت فيه علة الإسكار فهو حرام. و نحن نؤمن أن الأحكام تابعة للملاكات، و أن الملاك يشكل العلة الأساسية للحكم الشرعي، و الحكم الشرعي يدور مدار العلة وجودا و عدما، فكلما وجد الملاك في مورد قهرا يوجد الحكم الشرعي تابعا له تبعية المعلول لعليته كما في المثال. و هذا لا إشكال فيه لأنه قياس منصوص العلة. أي: أن هذا التعدي من الخمر كما في المثال إلى غيره توجد فيه نفس العلة و هكذا لا إشكال في هذا التعدي و يكون على القاعدة. هذا كله إذا كان الشارع صرح بالعلة في الدليل. أما إذا لم يصرح الشارع بالعلة، و إنما قال: الخمر حرام فقط. هل يستطيع المكلف أن يسري هذه الحرمة إلى الفقاع؟ و لو سألنا عن الدليل عن حرمة الفقاع لقلنا: هو تحريم الخمر لأنه مسكر فكذلك الفقاع مسكر فهو حرام شرعا.
الكلام هنا يقع في أن العقل كيف يستنتج الملاك أو هذه العلة للحكم؟ يستنتج ذلك عن طريقين هما:
الاستقراء و القياس.
و المراد من الاستقراء: أن يلاحظ الفقيه عددا كبيرا من الأحكام يجدها جميعا تشترك في حالة واحدة من قبيل أن يحصي عددا كبيرا من الحالات التي يعذر فيها الجاهل فيجد أن الجهل هو الصفة المشتركة بين كل تلك المعذريات، فيستنتج أن المناط و الملاك في المعذرية هو الجهل، فيعمم الحكم إلى سائر حالات الجهل. بالاستقراء الناقص الذي أجراه:
- و المراد بالقياس: أن نحصي الحالات و الصفات التي من المحتمل أن تكون مناطا للحكم و بالتأمل و الحدس و الاستناد إلى ذوق الشريعة يغلب على الظن أن واحدا منها هو المناط، فيعمم الحكم إلى كل حالة يوجد فيها ذلك المناط. على حد تعبير السيد الشهيد الصدر (قدس سره). ثم عقب السيد الشهيد (قدس سره) قائلا: «و الاستنتاج القائم على أساس الاستقراء ظني غالبا، لأن الاستقراء ناقص عادة، و لا يصل عادة إلى درجة اليقين. و القياس ظني دائما لأنه مبين على استنباط حدسي للمناط، و كلما كان الحكم العقلي ظنيا، احتاج التعويل عليه إلى دليل على حجيته»، أي: أن هذا الظن الحاصل