المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٢ - ٩- الظن الخاص و الظن المطلق
.....
و بين العمل بالشك و الوهم فيه، مما لا شك يتقدم الظن على الشك و الوهم، و في صورة الخلاف بمعنى: لو قدمنا الشك و الوهم على الظن يلزم ترجيح المرجوح على الراجح و هو قبيح، و بعبارة أخرى:
أنه لو جاز ترك العمل بالظنّ فيجوز الأخذ بالوهم، الذي هو مقابل الظن و هو قبيح.
و قد أجاب الشيخ الأنصاري صاحب الرسائل (فرائد الأصول) على هذا الدليل ما هو لفظه: «و ربما يجاب عنه: بمنع قبح ترجيح المرجوح على الراجح، إذ المرجوح قد يوافق الاحتياط، فالأخذ به حسن عقلا. و فيه: إنّ المرجوح المطابق للاحتياط ليس العمل به ترجيحا للمرجوح، بل هو جمع في العمل بين الراجح و المرجوح. مثلا: إذا ظنّ عدم وجوب شيء و كان وجوبه مرجوحا، فحينئذ الإتيان به من باب الاحتياط ليس طرحا للراجح في العمل، لأنّ الإتيان بالمرجوح لا ينافي عدم الوجوب.
و إن أريد الإتيان بقصد الوجوب المنافي لعدم الوجوب.
ففيه: أنّ الإتيان على هذا الوجه مخالف للاحتياط، فإنّ الاحتياط هو الإتيان لاحتمال الوجوب، لا بقصد الوجوب؛ لأنه إذا أتى به بقصد الوجوب يلزم منه التشريع و هو محرم».
و قد يجاب أيضا: بأن ذلك فرع وجوب الترجيح، بمعنى: أنّ الأمر إذا دار بين ترجيح المرجوح و ترجيح الراجح، كان الأوّل قبيحا. و أمّا إذا لم يثبت وجوب الترجيح فلا مرجّح للمرجوح و لا للراجح.
و فيه: أنّ التوقف عند ترجيح الراجح أيضا قبيح، كترجيح المرجوح». ثم عقب شيخنا الأعظم قائلا:
«الأولى الجواب ...» أي: أن الشيخ الأنصاري هنا يريد أن يجيب عن الدليل بوجهين:
أحدهما: «جواب حلّي: و توضيحه: تسليم القبح إذا كان التكليف و غرض الشارع متعلقا بالواقع و لم يمكن الاحتياط. فإنّ العقل قاطع بأنّ الغرض إذا تعلّق بالذهاب إلى بغداد و تردّد الأمر بين طريقين، أحدهما مظنون الإيصال، و الآخر موهومه، فترجيح الموهوم قبيح، لأنّه نقض للغرض. و أمّا إذا لم يتعلّق التكليف بالواقع أو تعلّق به مع إمكان الاحتياط، فلا يجب الأخذ بالراجح، بل اللازم في الأول هو الأخذ بمقتضى البراءة و في الثاني الأخذ بمقتضى الاحتياط. فإثبات القبح موقوف على إبطال الرجوع إلى البراءة في موارد الظنّ و عدم وجوب الاحتياط فيهما. و معلوم أنّ العقل قاض حينئذ بقبح ترجيح المرجوح، فلا بدّ من إرجاع هذا الدليل إلى دليل الانسداد الآتي المركّب من بقاء التكليف و عدم جواز الرجوع إلى البراءة و عدم لزوم الاحتياط».
و هذا ما اختاره صاحب الكفاية أيضا و أذكره هنا بعبارة أكثر وضوحا من عبارة صاحب الرسائل، قال المروج في شرح عبارة صاحب الكفاية ما حاصله: «اختار صاحب الكفاية الجواب الحلي، و توضيحه:
أن هذا الدوران إنما يتحقق فيما إذا لزم الأخذ بالمظنون و أخويه و لم يمكن الجمع بينهما عقلا، لاختلال النظام، أو شرعا، للعسر و الحرج، فحينئذ إذا ترك العمل بالظن دفعا للمحذور العقلي أو الشرعي لزم ترجيح المرجوح- و هو الشك و الوهم- على الراجح و هو الظن، و من المعلوم: إنه لا يجب العمل بالمظنون و أخويه إلّا بعد تمامية مقدمات الانسداد، و معها لا يكون هذا الوجه دليلا مستقلا، بل هو خامس مقدمات الانسداد، و سيأتي في دليله وجه لزوم الجمع بين المظنون و أخويه إلّا إذا منع عنه مانع عقلا أو شرعا».
و توضيح عبارة: «... و معها لا يكون هذا الوجه دليلا مستقلا ...» عن المروج قال: توقف دوران الأمر