المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٨٠ - الباب الرابع الدليل العقلي
و مع ذلك فإنه لم يظهر لي بالضبط ما كان يقصد المتقدمون من علمائنا بالدليل العقلي، حتى أن الكثير منهم لم يذكره من الأدلّة، أو لم يفسره؛ أو فسره بما لا يصلح أن يكون دليلا في قبال الكتاب و السنة (١).
و أقدم نص وجدته ما ذكره الشيخ المفيد المتوفى سنة ٤١٣ ه في رسالته الأصولية التي لخصها الشيخ الكراجكي (٢)، فإنه لم يذكر الدليل العقلي من جملة أدلة
إلى غير ذلك من الآيات الدالة على مدح العمل بمقتضى العقل و ذم عكسه. و في الحديث عن أبي الحسن (عليه السلام) حين سئل: فما الحجة على الخلق اليوم؟ قال: فقال (عليه السلام): «العقل، يعرف به الصادق على الله فيصدقه و الكاذب على الله فيكذبه». (و هذا من حديث أبي يعقوب البغدادي عن أبي الحسن (عليه السلام) الذي رواه في الكافي في كتاب العقل و الجهل، و هو الحديث- ٢٠- منه).
و في آخر عن الصادق (عليه السلام) قال: «حجة الله على العباد النبي، و الحجة فيما بين العباد و بين الله العقل». (و هو حديث عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) الذي رواه في الكافي في كتاب العقل و الجهل، و هو الحديث- ٢٢- منه).
و في آخر عن الكاظم (عليه السلام): «يا هشام إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة و حجة باطنة، فأما الظاهرة: فالرسل و الأنبياء و الأئمة، و أما الباطنة: فالعقول». (هذا من حديث هشام بن الحكم عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) الذي رواه في الكافي في كتاب العقل و الجهل، و هو الحديث- ١٢- منه).
قلت: لا ريب أن العقل الصحيح الفطري حجة من حجج الله سبحانه و سراج منير من جهته جل شأنه، و هو موافق للشرع، بل هو شرع من داخل، كما أن ذلك شرع من خارج، لكن ما لم تغيره غلبة الأوهام الفاسدة، و تتصرف فيه العصبية أو حب الجاه أو نحوهما من الأغراض الكاسدة، و هو قد يدرك الأشياء قبل ورود الشرع بها فيأتي الشرع مؤيدا له، و قد لا يدركها قبله و يخفى عليه الوجه فيها فيأتي الشرع كاشفا له و مبينا، و غاية ما تدل عليه هذه الأدلّة: مدح العقل الفطري الصحيح الخالي من شوائب الأوهام العاري عن كدورات العصبية، و أنه بهذا المعنى حجة إلهية، لإدراكه بصفاء نورانيته و أصل فطرته بعض الأمور التكليفية، و قبوله لما يجهل منها متى ورد عليه الشرع بها، و هو أعم من أن يكون بإدراكه ذلك أولا أو قبوله لها ثانيا كما عرفت».
(١) و الدليل على أن الدليل العقلي ليس واضحا عند الكثير من العلماء المتقدمين هو تفسيرهم الدليل العقلي بأنه البراءة الأصلية و الاستصحاب، و آخرون قصروه على الثاني، و ثالث فسره بلحن الخطاب و فحوى الخطاب و دليل الخطاب، و رابع بعد البراءة الأصلية و الاستصحاب بالتلازم بين الحكمين المندرج فيه مقدمة الواجب و استلزام الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص و الدلالة الالتزامية [١].
(٢) راجع تأليفه كنز الفوائد ص ١٨٦ المطبوع على الحجر في إيران سنة ١٣٢٢ ه. و المطبوع حديثا في دار الأضواء، بيروت.
[١] راجع الحدائق الناضرة، ج ١، ص ٤٠.