المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٧٨ - الباب الرابع الدليل العقلي
.....
و ذكر السيد الشهيد الصدر (قدس سره) في كتابه المعالم الجديدة للأصول: «و المعروف عن أبي حنيفة أنه كان متفوقا في ممارسة هذا النوع من العمل الفقهي، فقد روي عن تلميذه محمد بن الحسن أن أبا حنيفة كان يناظر أصحابه فينتصفون منه و يعارضونه حتى إذا قال: استحسن لم يلحقه أحد. و جاء في كلام له و هو يحدّد نهجه العام في الاستنباط: «إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فما لم أجده أخذت سنة رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فإذا لم أجد في كتاب الله و لا سنة رسول الله (صلى الله عليه و آله) أخذت بقول أصحابه من شئت و أدع من شئت، ثم لا أخرج من قولهم إلى غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم و الشعبي و الحسن و ابن سيرين فلي أن اجتهد كما اجتهدوا». ثم يواصل السيد الشهيد (قدس سره): و الفكرة الأساسية التي دعت إلى قيام هذه المدرسة و تبني العقل المنفتح بوصفه وسيلة رئيسية للإثبات و مصدرا لاستنباط الحكم الشرعي، و هي الفكرة الشائعة في صفوف تلك المدرسة التي كانت تقول: «إن البيان الشرعي المتمثل في الكتاب و السنة قاصر لا يشتمل إلّا على أحكام قضايا محدودة، و لا يتسع لتعيين الحكم الشرعي في كثير من القضايا و المسائل».
و قد ساعد على شيوع هذه الفكرة في صفوف فقهاء العامة اتجاههم المذهبي السني، إذ كانوا يعتقدون أن البيان الشرعي يتمثل في الكتاب و السنة النبوية المأثورة عن الرسول (صلى الله عليه و آله) فقط، و لما كان هذا لا يفي إلّا بجزء من حاجات الاستنباط اتجهوا إلى علاج الموقف و إشباع هذه الحاجات عن طريق تمطيط العقل و المناداة بمبدإ الاجتهاد».
و بالجملة: إن هذا الاتجاه- الذي أعطي للعقل حدودا واسعة جدا في استنباط الحكم الشرعي- يرون أن العقل مصدرا للتشريع في قبال الكتاب و السنة. إلّا أن هذا الخطر أخذ بالتوسع إلى أن وصل إلى منحدر خطير جدا و ذلك باتهام القرآن و السنة بالنقص و عدم الدلالة على بيان الحكم الشرعي في كثير من القضايا، و عدم استيعاب الشريعة لمختلف شئون الحياة. و هذا يعني: أن الشريعة الإسلامية تتصف بالنقص، و إن الله لم يشرع في الإسلام إلّا أحكاما معدودة عبر عنها في القرآن و السنة. و ترك التشريع في سائر المجالات الأخرى إلى الاجتهاد و الاستحسان. و بهذا الاتجاه العقلي المتطرف نتج عنه القول بالتصويب أي: أنهم مصيبون جميعا لأحكام الله «عزّ و جلّ». و نتج عن هذا الاتجاه العقلي المتطرف ردودات فعل كبيرة جدا، و لم تقتصر هذه الردودات في الفقه الإمامي خاصة بل لقى معارضة في النطاق السني أيضا. «فعلى الصعيد الفقهي تمثل رد الفعل في قيام المذهب الظاهري على يد داود بن علي بن خلف الأصبهاني في أواسط القرن الثالث، إذ كان يدعو إلى العمل بظاهر الكتاب و السنة و الاقتصار على البيان الشرعي، و يشجب الرجوع إلى العقل».
و أما ردود الفعل في إنكار العقل الذي وجد داخل نطاق الفكر الإمامي فقد تمثل في جماعة من علمائنا اتخذوا اسم «الأخباريين و المحدثين»، و قاوموا دور العقل في مختلف الميادين، و دعوا إلى الاقتصار على البيان الشرعي فقط، و تعليلهم إلى ذلك: أن العقل عرضة للخطإ و تاريخ الفكر العقلي زاخر بالأخطاء و هؤلاء الأخباريين هم أنفسهم الذين شنوا حملة ضد الاجتهاد، و يرجع تاريخ هذا الاتجاه- كما في المعالم الجديدة للأصول- إلى أوائل القرن الحادي عشر، فقد أعلنه و دعا إليه شخص كان يسكن وقتئذ في المدينة باسم «الميرزا محمّد أمين الاسترابادي» المتوفى (١٠٢٣ ه)، و وضع كتابا