المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٧٧ - الباب الرابع الدليل العقلي
قد مضى في الجزء الثاني البحث مستوفى عن الملازمات العقلية، لتشخيص صغريات حجية العقل، أي: لتعيين القضايا العقلية التي يتوصل بها إلى الحكم الشرعي، و بيان ما هو الدليل العقلي الذي يكون حجة.
و قد حصرناها هناك في قسمين رئيسين: «الأول»: حكم العقل بالحسن و القبح و هو قسم المستقلات العقلية، و «الثاني»: حكمه بالملازمة بين حكم الشرع و حكم آخر، و هو قسم غير المستقلات العقلية.
و وعدنا هناك ببيان وجه حجة الدليل العقلي، و الآن قد حل الوفاء بالوعد، و لكن قبل بيان وجه الحجية لا بد من الكرة بأسلوب جديد إلى البحث عن تلك القضايا العقلية، لغرض بيان الآراء فيها، و بيان وجه حصرها و تعيينها فيما ذكرناه، فنقول:
إن علماءنا الأصوليين من المتقدمين حصروا الأدلّة على الأحكام الشرعية في الأربعة المعروفة التي رابعها (الدليل العقلي)، بينما أن بعض علماء أهل السنة أضافوا إلى الأربعة المذكورة القياس و نحوه على اختلاف آرائهم. و من هنا نعرف إن المراد من الدليل العقلي ما لا يشمل مثل القياس، فمن ظن من الأخباريين في الأصوليين أنهم يريدون منه ما يشمل القياس ليس في موضعه، و هو ظن تأباه تصريحاتهم في عدم الاعتبار بالقياس و نحوه (١).
الدليل العقلي: (١) و لم يكن هذا الظن نابعا من الفراغ، و إنما نتج عن ارتكاز راسخ في أذهان الأخباريين و ذلك نتيجة الواقع التاريخي الذي أعطى للعقل حدودا واسعة جدا في استنباط الحكم الشرعي. حيث قامت هذه الحركة و الاتجاه منذ أواسط القرن الثاني مدرسة فقهية واسعة النطاق تحمل اسم مدرسة الرأي و الاجتهاد، و تطالب باتخاذ العقل بالمعنى الواسع الذي يشمل الترجيح و الظن، و التقدير الشخصي للموقف أداة رئيسية لاستنباط الحكم الشرعي، و أطلقت على هذا الاتجاه اسم الاجتهاد.
و من رواد هذه المدرسة: أبو حنيفة المتوفى سنة (١٥٠)، و المعروف عن رجالات هذه المدرسة أنهم عند ما لا يجدون بيانا شرعيا من الكتاب و السنة يدل على الحكم الشرعي يذهبون إلى أذواقهم الخاصة و عقولهم الناقصة، و يفتون بما يتفق مع ظنهم و ترجيحهم و يسمون ذلك استحسانا أو اجتهادا.