المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٨٢ - الباب الرابع الدليل العقلي
عليه (١)، و الأخذ بالأقل عند الترديد بينه و بين الأكثر، و الاستصحاب.
و هكذا ينهج هذا النهج جماعة آخرون من المؤلفين، في حين إن الكتب الدراسية المتداولة، مثل المعالم و الرسائل و الكفاية، لم تبحث هذا الموضوع و لم تعرف الدليل العقلي، و لم تذكر مصاديقه، إلّا إشارات عابرة في ثنايا الكتاب.
و من تصريحات المحقق و الشهيد الأول يظهر: إنه لم تتجلّ فكرة الدليل العقلي في تلك العصور، فوسعوا في مفهومه (٢) إلى ما يشمل الظواهر اللفظية مثل لحن الخطاب، و هو أن تدل قرينة عقلية على حذف لفظ (٣)، و فحوى الخطاب، و يعنون به مفهوم الموافقة (٤)، و دليل الخطاب، و يعنون به مفهوم المخالفة (٥). و هذه كلها تدخل
(١) و إنما يحكم به العقل كحكمه على بعض الضروريات و البديهيات الذي لا دليل عليها إلّا حكم العقل.
(٢) أي: في مفهوم الدليل العقلي.
(٣) مثل: سْئَلِ الْقَرْيَةَ: أي: اسأل أهل القرية، فإن صحة المعنى تتوقف على تقدير الأهل، لأن السؤال من القرية لا يصح عقلا، و حجية هذا القسم ظاهرة إذا كان الموقوف عليه مقطوعا به.
(٤) و مثاله: قوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ... الإسراء: ٢٣. فتدل بالأولوية على عدم جواز ضربهما، و يطلق على المفهوم الموافق لحن الخطاب و فحوى الخطاب، لأن الحكم الثابت للمنطوق، يثبت للمفهوم من نفس الخطاب و روحه و معناه. و المفهوم الموافق حجة عند الجميع. ففي المثال فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ...: فإنه يعلم من حال التأفيف و هو محل النطق، و حال الضرب و هو غير محل النطق، و يعلم اتفاقهما في الحرمة، و قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ الزلزلة: ٧، ٨. فإنه يعلم منه حال ما زاد على الذرة و المجازاة عليه. و مرجعه إلى التنبيه بالأدنى أي: الأقل مناسبة على الأعلى أي: الأكثر مناسبة، و هو حجة إذا كان قطعيا، بمعنى: قطعية العلية في الأصل كالإكرام في منع التأفيف و عدم تضييع الإحسان و الإساءة في الجزاء. و أما إذا كان ظنيا فيدخل في باب القياس المنهي عنه، كما يقال: يكره جلوس الصائم في الماء لأجل ثبوت الكراهة للمرأة الصائمة؛ لعدم علم كون علة الكراهة للمرأة هو جذب الفرج الماء.
(٥) و مثاله: «إذا جاء زيد فأكرمه» فتدل بمفهوم المخالفة على أنه إذا لم يجئ زيد فلا تكرمه، فإن هذا يخالف المنطوق. و سمي المنطوق بدليل الخطاب لأنه يفهم منه مباشرة و بلا واسطة. و دليل الخطاب ينقسم إلى مفهوم الشرط، كما في المثال أعلاه، و مفهوم الغاية، و مفهوم الوصف، و مفهوم الحصر، و مفهوم العدد، و مفهوم الزمان و المكان، و قد وقع الخلاف بين الأصوليين في حجية المفهوم بجميع أقسامه، فقال صاحب الحدائق (قدس سره): «فنفاه من أصحابنا المرتضى (قدس سره) و جماعة من العامة، و إليه مال المحدث السيد نعمة الله الجزائري و الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (قدس سرهما) و أدلة القوم- في كتب الأصول من الطرفين- متصادمة، و الاحتجاجات متعارضة. إلّا أن الظاهر تبادر