المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي - الفيومي، أحمد بن محمد - الصفحة ٥٥ - بعل
إِلَا بِدَلِيلٍ فدَعْوَى الأصَالة دَعْوَى تَأْسِيسٍ و هُو الحَقِيقَةُ و دَعْوى الزيادةِ دَعْوى مَجَازٍ و مَعْلُومٌ أنَّ الْحَقِيقَة أَوْلَى و قولُه تعالى «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللّٰهِ» قال ابنُ عَبَّاسٍ الباءُ بمعْنَى مِنْ فالمعْنَى مِنْ نِعْمَةِ اللّهِ قاله الحُجَّةُ فى التفْسِيرِ و مثلُهُ «فَاعْلَمُوا أَنَّمٰا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللّٰهِ» أىْ مِنْ عِلْمِ اللّهِ و قال عنترةُ:
شَرِبَتْ بماء الدُّحْرُضَين فأَصْبَحَتْ * * *زَوْراءَ تنفِرُ عن حِيَاضِ الدَّيْلَمِ
أى شَرِبَتْ مِن مَاءِ الدُّحْرُضَينِ و قال الآخرُ [١]:
شرِبنَ بماء البحرِ ثم ترفَّعَتْ * * *مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ
أى من ماء البحر و قال الآخر [٢]:
هُنَّ الحَرَائِرُ لا رَبَّاتُ أَحْمِرَةٍ * * *سُودُ المَحَاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ
أى من السُّوَرِ و قال جَمِيلٌ:
فَلَثَمْتُ فَاهَا آخِذاً بقُرونِهَا * * *شُرْبَ النزِيفِ بِبَرْدِ مَاءِ الحَشْرَج
أى مِنْ بَرْدِ و قال عَبِيدُ بنُ الْأَبْرَصِ:
فذلك الماءُ لو أَنِّى شَربْتُ بِهِ * * *إِذاً شَفَى كَبِداً شَكَّاءَ مَكْلُومَه
أى لو أَنِّى شَرِبْتُ مِنْهُ و قال النُّحَاةُ الأصْلُ أن تَأْتِىَ للإِلْصَاقِ و مثَّلُوهَا بقَولِكَ مَسَحْتُ يَدِى بالمِنْدِيلِ أَى أَلْصَقتُهَا بِهِ و الظَّاهِرُ أَنَّهُ لا يَستَوعِبُه و هو عُرْفُ الاسْتعمَالِ و يَلْزَمُ من هذَا الإجماعُ عَلَى أَنَّهَا لِلتَّبعِيضِ.
فإِنْ قِيلَ هٰذِهِ الآيةُ مَدَنِيَّةٌ و الاسْتِدْلَالُ بها يُفْهِمُ أَنّ الوُضُوءَ لم يَكُنْ واجِباً مِن قَبلُ و أنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ جَائِزَةً بِغَيْرِ وُضُوءٍ إِلى حَالِ نُزُولِهَا فى سَنَةِ سِتٍّ و القَوْلُ بذلك مُمْتَنِعٌ فالْجَوابُ أنَّ هذه الآيَة مِمَّا نَزَلَ حُكْمُه مرَّتَيْنِ فإِنَّ وُجُوبَ الوُضُوءِ كانَ بمَكَّةَ مِنْ غِيرِ خِلَافٍ عِنْدَ المُعْتَبَرِينَ فهو مَكِّىُّ الفَرْضِ مَدَنِىُّ التِّلَاوَةِ و لِهٰذَا قالتْ عَائِشَةُ رضى اللّهُ عَنْها فى هذِه الآيَةِ نَزَلتْ آيةُ التَّيَمُّمِ و لمْ تَقُلْ نَزَلَتْ آيةُ الوُضُوءِ و قالَ بعضُ العُلَمَاءِ كَانَ سُنَّةً فى ابْتِدَاءِ الإسلَامِ حَتَّى نَزَل فَرْضُهُ فى آيةِ التيمُّمِ نَقَلَه القَاضى عِيَاضٌ.
[بعل]
البعْلُ: الزوجُ يقالُ (بَعَلَ يَبْعُلُ) من بابِ قَتَل (بُعُولَةً) إذا تَزَوجَ و المَرأَةُ (بَعلٌ) أيضاً و قد يُقالُ فيها (بَعلَةٌ) بالهاء كما يُقَالُ زوجَةٌ تَحْقِيقاً للتأْنِيثِ و الجمعُ (البُعُولَةُ) قال تعالى «وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ» و (البَعلُ) النخْلُ يَشرَبُ بعُرُوقِهِ فَيَسْتَغْنِى عن السَّقْىِ و قال أبو عَمرٍو (البَعلُ) و (العِذْيُ) بالْكَسرِ واحدٌ و هو مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ و قال الأصْمَعِىُّ (البَعْلُ) ما يَشْرَبُ بعُرُوقِهِ من غَيرِ سَقْىٍ و لَا سَمَاءٍ و (العِذْىُ) ما سَقَتْهُ السماءُ و (البَعْلُ)
[١] أبو ذؤيب الهذلى- و استشهد به النحويون على أنَّ (منى) تأتى بمعنى (من) فى لغة هذيل.
[٢] الراعى النُّميرى و قيل غيره- و هذا البيت من شواهد النحويين و قد طال كلامهم فى معنى الباء فيه راجع المغنى فى (الباء المفردة).