المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي - الفيومي، أحمد بن محمد - الصفحة ٣٢٥ - شهر
و خَلَفِهَا فِى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ (أَشْهَدُ) مُقْتَصِرِينَ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى تَحْقِيقِ الشَّىْءِ نَحْوُ أَعْلَمُ وَ أَتَيَقَّنُ و هُوَ مُوَافِقٌ لِأَلْفَاظِ الْكِتَابِ و السُّنَّةِ أَيْضاً فَكَانَ كَالْإِجمَاعِ عَلَى تَعْيِينِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ دُونَ غَيْرِهَا وَ لَا يَخْلُو مِنْ مَعْنىَ التَّعَبُّدِ إِذْ لَمْ يُثْقَلْ غَيْرُهُ. وَ لَعَلَّ السِّرَّ فِيهِ أَنَّ (الشَّهَادَةَ) اسْمٌ مِنَ (الْمُشَاهَدَةِ) وَ هِىَ الاطِّلَاعُ عَلَى الشَّىْءِ عِيَاناً فَاشْتُرِطَ فِى الْأَدَاءِ مَا يُنْبِئُ عَنِ (الْمُشَاهَدَةِ) وَ أَقرَبُ شَىْءٍ يَدُلُّ عَلَى ذٰلِكَ مَا اشْتُقَّ مِنَ اللفْظِ وَ هُوَ (أَشْهَدُ) بِلَفْظِ الْمُضَارع وَ لَا يَجُوزُ (شَهِدْتُ) لِأَنَّ المَاضِىَ مَوْضُوعٌ لِلْإِخْبَارِ عَمَّا وَقَعَ نَحْوُ قُمْتُ أَىْ فِيمَا مَضَى مِنَ الزَّمَانِ فَلَوْ قَالَ (شَهِدْتُ) احتَمَلَ الإِخبَارَ عَن المَاضِى فَيَكُونُ غَيرَ مُخبِرٍ بِهِ فِى الْحَالِ و عَلَيه قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَن أَوْلَادِ يَعْقُوبَ (عليهم السلام) «وَ مٰا شَهِدْنٰا إِلّٰا بِمٰا عَلِمْنٰا» لِأَنَّهُم (شَهِدُوا) عِنْدَ أَبِيهِمْ أَوَّلًا بِسَرِقَتِهِ حِينَ قَالُوا «إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ» فَلَمَّا اتَّهَمَهُمْ اعْتَذَرُوا عَن أَنْفُسِهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا صُنْعَ لَهُمْ فِى ذَلِكَ وَ قَالُوا، وَ مَا شَهِدْنَا عِنْدَكَ سَابِقاً بِقَوْلِنَا: إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ إِلَّا بِمَا عَايَنَّاهُ مِنْ إِخْرَاجِ الصُّوَاعِ مِن رَحْلِهِ.
و الْمُضَارِعُ مَوْضُوعٌ لِلْإِخْبَارِ فِى الْحَالِ فَإِذَا قَالَ أَشْهَدُ فَقَدْ أَخْبَرَ فِى الْحَالِ وَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى «قٰالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّٰهِ» أَىْ نَحْنُ الْآنَ (شَاهِدُونَ) بِذَلِكَ و أَيْضا فَقَدِ اسْتُعْمِلَ (أَشْهَدُ) فِى الْقَسَمِ نَحْوُ (أَشْهَدُ) بِاللَّهِ لَقَدْ كَانَ كَذَا أَىْ أُقْسِمُ فَتَضَمَّنَ لَفْظُ (أَشْهَدُ) مَعْنَى الْمُشَاهَدَةِ وَ الْقَسَمِ و الْإِخْبَارِ فِى الْحَالِ فَكَأَنَّ الشَّاهِدَ قَالَ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدِ اطَّلَعْتُ عَلَى ذَلِكَ وَ أَنَا الْآنَ أُخْبِرُ بِهِ و هَذِهِ الْمَعَانِى مَفْقُودَةٌ فِى غَيْرِهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ فَلِهذَا اقْتُصِرَ عَلَيْهِ احْتِيَاطاً و اتِّبَاعاً لِلمَأْثُورِ وَ قَوْلُهُم (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلّا اللّهُ) تَعَدَّى بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ بِمَعْنىَ أَعْلَمُ و (اسْتَشْهَدْتُهُ) طَلَبْتُ مِنْهُ أَنْ (يَشْهَدَ).
و (الْمَشْهَدُ) الْمَحْضَرُ وَزَناً وَ معنىً و (تَشَهَّدَ) قَالَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ و (تَشَهَّدَ) فِى صَلَاتِهِ فِى التَّحِيَّاتِ.
و (الشَّهْدَانَجُ) بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الْأَلِفِ ثُمَّ جِيمٍ يُقَالُ هُوَ بِزْرُ القِنَّبِ.
[شهر]
الشَّهْرُ: قِيلَ مُعَرَّبٌ وَ قِيلَ عَرَبِىٌّ مَأْخُوذٌ مِنَ (الشُّهْرَةِ) وَ هِىَ الانْتِشَارُ و قِيلَ: (الشَّهْرُ) الْهِلَالُ سُمِّىَ بِهِ (لِشُهْرَتِهِ) وَ وُضُوحِهِ ثُمَّ سُمِّيَتِ الْأَيَّامُ بِهِ و جَمْعُهُ (شُهُورٌ) و (أَشْهُرٌ) وَ قَوْلُهُ تَعَالَى «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ» التَّقْدِيرُ وَقْتُ الْحَجِّ أَوْ زَمَانُ الْحَجِّ ثُمَّ سُمِّىَ بَعْضُ ذِى الحِجَّةِ شَهْراً مَجَازاً تَسْمِيَةً لِلْبَعْضِ بِاسْمِ الْكُلِّ وَ الْعَرَبُ تَفْعَلُ مِثْلَ ذلِكَ كَثِيراً فِى الْأَيَّامِ فَتَقُولُ: مَا رَأَيْتُهُ مُذْ [١] يَوْمَانِ وَ الانْقِطَاعُ
[١] مذ مبتدأ و يومان خبره و معنى مذ الأمد أو مذ ظرف مخبر به عما بعده و يكون المعنى بينى و بين لقائه يومان ا ه مصححة.