العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٤٢٥ - ١٦٢٨- عبد اللّه بن محمد بن محمد بن علىّ، الشيخ نجم الدين الأصبهانى
و قال رضى اللّه عنه: قال لى فى بلاد العجم: إنك ستلقى القطب فى الديار المصرية، فخرجت لذلك، فبينما أنا فى بعض الطريق، إذ خرج علىّ جماعة فأمسكونى و كتفونى، و قالوا: هذا جاسوس، فقال بعضهم: نقتله. و قال بعضهم: لا. فبت مكتوفا و بقيت أفكر فى أمرى، و ما بى جزع الموت، و إنما أن أموت قبل أن أعرف ربى؟ فنظمت أبياتا و ضمنتها قول امرئ القيس، و من جملة أبياته الذى ذكر، هذان البيتان [من الوافر]:
و قد وطأت نعلى كل أرض* * * و قد أتعبت نفسى باغترابى
و قد طوفت بالآفاق حتى* * * رضيت من الغنيمة بالإياب
فما أتممت الإنشاد، حتى انقض علىّ رجل صفته كذا و كذا، كانقضاض البازى.
و قال: قم يا عبد اللّه، فأنا مطلوبك، و حل كتافى. فلما قدمت الديار المصرية، سمعت بشيخ يقال له أبو العباس المرسى. فلما رأيته، عرفت أنه الذى أطلقنى، ثم تبسم و قال لى: لقد أعجبنى إنشادك و تضمينك، و قولك كذا و كذا ليلة أسرت. فصحبه و لازمه إلى أن توفى، ثم أمر الشيخ نجم الدين بالذهاب إلى مكة، فجاور بها إلى أن مات رضى اللّه عنه.
قال: و من كرامات الشيخ نجم الدين: أنى رأيته فى النوم بعد موته، و كنت مضرورا إلى حاجة تعسرت علىّ، و رأيت إنسانا بين يديه، و الشيخ مقبل عليه يكلمه، و لم أدر بأى شىء يكلمه، فسلمت على الشيخ، و مشيت خلفه، و عرضت عليه شيئا فاستحسنه، أعنى جوابا أجبت به، ثم ودعته، و إذا قائل يقول لى: الظاهر أن اللّه يريد بك خيرا، و لكنك تحتاج إلى صبر؛ إذ الصبر من شأن الأجواد، فأبشر بكذا و كذا، يبشرنى بقضاء تلك الحاجة، ثم انتبهت و سررت بما رأيت، و خطر لى أن أبشر ذلك الإنسان الذى رأيت الشيخ يكلمه، بإقبال الشيخ عليه. و إذا به قد جاءنى بقضاء تلك الحاجة التى طلبتها، ففهمت أن الشيخ ما كان يكلمه إلا من أجلى، نفع اللّه به، و جزاه عنا أفضل الجزاء.
و كان (رحمه اللّه)، صاحب همة عالية، و صورة حسنة حالية، و لحية مليحة طويلة، و هيبة فى القلوب، و منزلة جليلة.
و قال اليافعى أيضا، فى كتابه «الإرشاد»: و ذكر الإمام أبو حامد الغزالى: أنه أدرك بعض الشيوخ بمكة، لا يحضر الصلاة فى المسجد الحرام، قال: فسألته عن سبب تخلفه، فذكر كلاما معناه: أنه يدخل عليه فى خروجه من الضرر، أكثر مما يدخل عليه من النفع.