العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٢١٠ - سعيد بن سلام المغربى، كنيته أبو عثمان
و عزاه بأبى عثمان، و ذكر وفاته بنيسابور، فسمعت أبا سليمان يقول: قال النبى (صلى اللّه عليه و سلم):
«قد كان فى الأمم ناس محدثون، فإن يكن فى أمتى فعمر» [٢] و أنا أقول: فإن كان فى هذا العصر أحد، فهو أبو عثمان المغربى.
و قال أبو بكر بن فورك: كنت عند أبى عثمان المغربى حين قرب أجله، و علىّ القوّال يقول شيئا، فلما تغيرت عليه الحال، أشرنا إلى علىّ القوّال بالسكوت، ففتح الشيخ أبو عثمان عينيه و قال: لم لا يقول علىّ شيئا؟ فقلت لبعض الحاضرين: سلوه، و قولوا له:
على ما يسمع المستمع، فإنى أحتشمه فى هذه الحالة، فسألوه عن ذلك فقال: إنما يسمع من حيث يسمع. و كان فى الرياضة كبير الشأن.
و قال: من اختار الخلوة على الصحبة، فيجب أن يكون خاليا من جميع الأذكار، إلا من ذكر ربه، و خاليا من جميع الإرادات، إلا رضى ربه، و خاليا من مطالبة النفس من جميع الأسباب. و إن لم يكن بهذه الصفة، فإن خلوته توقعه فى فتنة أو بليّة.
و قال: علم اليقين يدل على الأفعال، فإذا فعلها و أخلص فيها، و ظهرت له بينات ذلك، صار له علم اليقين عين اليقين.
و قال: التقوى تتولد من الخوف.
و قال: أفواه قلوب العارفين فاغرة فاغرة لمناجاة القدر: و قال: أفضل ما يلزم الإنسان نفسه فى هذه الطريقة، المحاسبة و المراقبة. و سياسة عمله بالعلم.
و قال: الإخلاص ما لا يكون للنفس فيه مجال، و هذا إخلاص العوام.
و إخلاص الخواص، ما يجرى عليهم؛ لأنهم تبدو منهم الطاعات، و هو عنها بمعزل، و يقع لهم لا يقع لهم يقع عليها روية، و لا بها اعتداد.
و قال: الولى قد يكون مشهورا، و لكن لا يكون مفتونا.
و قال: العارف تضىء له أنوار العلم، و يبصر بها عجائب الغيب.
و قال: من ادّعى السماع، و لم يسمع لصوت الطيور، و صرير الباب، و تصفيق الرياح، فهو مفتر مدّع.
و قال: قلوب أهل الحق قلوب حاضرة، و أسماعهم أسماع مفتوحة.
و قال: من أعطى من نفسه الأمانى، قطعها بالتسويف و التّوانى.
[٢] أخرجه أحمد بن حنبل فى مسنده (٢٣٨٢٤).